ونحن مُقْبِلون إلى مكَّةَ (١) في عُمْرةٍ، فقالت: يا رسول الله، إنَّ ابني قد أفسده الشَّيطان، والله ما يدَعُه ساعةً، قال:«اِرْفَعِيه إليَّ» فجعل رأسه بين فخذيه وواسِطَةِ الرَّحْل، ثم فتح فمَهُ فبَزَقَ فيه، وقال:«أنا رسولُ الله، فاخْرُجْ عَدُوَّ الله» ودفعه إليها، وقال:«قد بَرَأَ ابنُكِ، فجِيئينا إذا رجَعْنا إلى هذا المنزل إِنْ شاء الله».
فلما رجع، أقبلت إليه بثلاثةِ أَكْبُش يسوقُهُنَّ الغلام، فقال لها:«كيف فعل ابنك؟» قالت: هو هذا يا رسول الله قد بَرَأ، وقد أَهْدَى لك ثلاثةَ أَكْبُشٍ، قال:«يا بلال، خُذْ منها واحدًا، واترك لها اثنين».
قال: ثم ذهب إلى الغائط، وكان يُبْعِدُ حَتَّى لا يراه أحد، فلم يجد شيئًا يتوارى وراءه، فبَصُر بشجرتَيْن مُتباعدتَيْن، فقال: اِذْهَب إلى هاتين الشجرتين، فقُلْ لهما: إنَّ رسول الله ﷺ يأمُرُكما أن تجتمعا فيتوارى وراءَكُما فمشَتْ إحداهما إلى الأخرى حتى قضى حاجته، ثم عادت كل واحدة منهما إلى مكانها.
ثم أقبلنا، حتى إذا دخَلْنا أَزِقَّة المدينة جاء جمل يشتد حتى سجد له، ثم قام بين يديه فذرَفَتْ عيناه، فقال:«مَنْ صاحب هذا الجمل؟» قالوا: فلان، قال:«أدعوه إليَّ»، فأتاه، فقال:«ما شأنك، وهذا الجمل يشكوك؟» قال: هذا جمل كُنَّا نَسْنُو عليه من عشرين سنةً، ثم سمناه، فأَرَدْنا أَنْ نَنْحرَه، فقال النبي ﷺ:«بئسما جزَيْته، قد اشتكى ذلك، أعَمِلْتَ عليه عشرين سنة، حتى إذا كَبِرَتْ سِنُّه وضَعُفَ عَظْمُه أَرَدْتَ أن تَنْحَرَه بِعْنيه، أو هبه لي»، فقال: هو لك يا رسول الله، فقال:«أَرْسِلوا به إلى الظَّهْر»(٢) فأُرْسِلَ إلى الظهر مع ظهره، فقال الناس حينئذ: يا رسول الله، نحن أحقُّ أَنْ نسجد لك من هذا الجمل، فقال: «معاذ الله أَنْ يَسْجُدَ لي أحدٌ، ولو قُلْتُ لأحدٍ أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ لَقَلْتُ
(١) ش: ١٠١/ ب. (٢) «الظهر: الركاب، وهي: الإبل التي تُرْكب». «الدلائل» لقوام السنة ص ١٢٧.