عشرة ليلةً ويومًا، أَخْرُجُ كلَّ ليلةٍ فأشرب من ماء زمزم، فما وجَدْتُ على كبدي سَخْفَةَ جوع، ولقد تعكَّنَ بَطْني.
قال: فجعلت امرأتان (١) تَدْعُوان ليلةً آلهتهما، وتقول إحداهما: يا إسافُ، هَبْ لي غُلامًا، وتقول الأخرى: يا نائلُ، هَبْ لي كذا وكذا، قال: فَقُلْتُ: هَنْ بِهِنَّ - يعني أبا ذَرٍّ، قال: فوَلَّتا، وجعلتا تقولان: الصَّابِئُ بين الكعبة وأستارها، أما والله لو كان هاهنا أحَدٌ مِنْ نفَرِنا، وتقولان: الصابئ بين الكعبة وأستارها، إِذْ مَرَّ رسولُ الله ﷺ، وأبو بكر ﵁ يمشي وراءه، قالتا: الصَّابى بين الكعبة وأستارها، قال: فتكلم رسول الله ﷺ بكلام قبح ما قالتا، قال أبو ذر ﵁: فظَنَنْتُ أَنَّه رسولُ الله ﷺ، فخرَجْتُ إليه، فقلتُ: السَّلامُ عليك يا رسول الله، فقال:«وعليك ورحمة الله، وعليك ورحمة الله، وعليك ورحمة الله، مُذْ كَمْ أنتَ هاهنا؟» قلتُ: مُذْ خمسة عشَرَ يومًا وليلة، قال: فمِنْ أينَ كُنْتَ تأكُل؟ قال: كنتُ آتي زمزم كل ليلة نصف الليل فأشرب منها شَرْبَةً، فما وجَدْتُ على كبدي سَخْفة جوع، ولكن تعكَّنَ بطني، فقال رسول الله ﷺ:«إنها طعم وشِرْبُ، وهي مُباركة» قالها ثلاثًا.
قال: فسأل رسول الله ﷺ: «ممن أنت؟» فقلتُ: مِنْ غِفَارٍ، وكانت غِفَارٌ يَقْطَعون على الحاج - قال: وكأن رسول الله ﷺ ذكر كلمةً، ذهبت عن أبي يَعْلَى - قال لأبي بكر ﵁:«انْطَلِق يا أبا بكر» فانطلق بنا إلى منزل أبي بكر ﵁ فقرب زبيبًا، فأكلنا منه.
قال: وأَقَمْتُ مع رسول الله ﷺ بمكَّةَ، فعلمني الإسلام، وقرأتُ مِنْ القرآن شيئًا، فقلت: يا رسول الله، إنِّي أُرِيد أَنْ أُظْهِرَ دِيني، فقال رسول الله ﷺ:«إِنِّي أخافُ عليك أَنْ تُقْتَلَ» قلتُ: لا بُدَّ منه وإِنْ قُتِلْتُ، قال: فسكتَ عَنِّي، وجِئْتُ وقريسٌ حِلَقٌ يَتحدَّثون في المسجد، فقلتُ: أشهد أن لا إله الا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، قال: فتَنَفَضَتْ الحِلَقُ (٢)، فقاموا فضرَبُوني