كالطَّيْرَيْنِ أبيضين - فوقع أحدهما على الكَوَّة، ودخل الآخَرُ فوقع عليه، فشَقَّ الواقع عليه ما بين قلبه [إلى] (١) عانته، ثم أدخل يده في جوفه، فأخرج قلبه، فوضعه في كَفّه ثم شَمَّه، فقال له الطائر الأعلى: أوَعَى؟ قال: وعى، قال: أَزَكَا؟ قال: أبى، ثم رَدَّ القلب إلى مكانه، فَالْتَأَمَ الجُرْحُ أسرعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْن، ثم ذهبا.
فلما رأيتُ ذلك - يعني - ارتَعْتُ منه فحرَّكْتُه، فقلت: يا أخي، هل تجد شيئًا؟ قال: لا، إلا توصيمًا في جسدي.
وقد كنتُ ارتَعْتُ مما رأيتُ، فقال لي: مالي أراك مرتاعة؟ قالت: فأخبرته الخبر، فقال: خيرٌ أُرِيدَ بي، ثم أُصْرِفَ عَنِّي، فأنشأ يقول:
باتَتْ هُمومي تَسْرِي طَوارِقُها … أكُفُّ عَيْني والدَّمْعُ سابقها
مما أتاني من اليقين، ولم … أُوتَ بَراةً يقُصُّ ناطِقُها
أَمْ مَنْ تلَظَّى عليه مُوقَدَةُ النّـ ار … محط بهم سُرادِقُها
أم أسكن الجنَّةَ التي وُعِدَ الـ أبرار … مصفوفة نَمارِقُها
لا يستوي المنزلان ثمّ [ولا] (٢) الـ أعمال، لا تستوي طرائقها
هما فريقان: فرقةٌ تدخُل الـ جنَّةَ … حَفَّت بهم حدائقها
وفرقة دخلوا النا ر، … فساءَتْ بهم مَرافِقُها
تُعاهِدُ هذي القلوب حتى … إذا همت بخير عاقَتْ عوائقها
وصدها للشقاء عن طلب الـ جنَّةِ … دُنيا الله ماحقها
إنَّ عبدًا دعا نفسه فعاتبها … يعلَمُ أَنَّ البصير رامقها
ما رغبةُ النَّفْس في الحياة، وإن … تحيا قليلًا فالموتُ لاحِقُها (٣)
(١) في المخطوط (على).
(٢) سقط من المخطوط، واستدركته من «ديوان أمية» ص ٤٢٣.
(٣) ش: ١٩٨/ ب.