للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:
مسار الصفحة الحالية:

أن يَسْمُوَ بصَرُ الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جَنْبِهِ لا يُشْعَر به، فقالت من الفرح حين أعياهم الطلب: أَنَا ﴿أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢] فأخذوها، فقالوا: ما يُدْريكِ ما نُصْحُهم له؟ هل تعرفينه؟ حتى شكوا في ذلك، وذلك من الفتون يا ابن جبير، فقالت: نصيحتهم له وشفقتهم عليه: رغبتهم في صِهْر الملك، ورجاء منفعته، فأرسلوها (١).

فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت أمه، فلما وضعته في حَجْرِها نَزَى إلى ثَدْيِها، فمَصَّه حتى امتلأ جَنْباه رِيًّا، وانطلق البُشَراءُ إلى امرأة فرعون: إِنَّا قد وجدنا لابنك ظهرًا، فأرسلت إليها، فأُتِيَتْ بها وبه، فلما رأت ما يصنع بها، قالت لها: أمْكُثِي عندي تُرْضِعين ابني هذا؛ فإنِّي لم أُحِبَّ حبَّه شيئًا قط، فقالت أم موسى: لا أستطيعُ أَنْ أدَعَ بيتي وولدي فيَضِيعَ، فإِنْ طَابَتْ نفسكِ أن تُعْطِينيه فأذهب به إلى منزلي، فيكون معي لا آلوه خيرًا، فعَلْتُ، وإلا فإنّي غير تاركة بيتي وولدي، وذكرت أم موسى ما كان الله - تعالى - وعدها، فتعاسرَتْ على امرأة فرعون، وأيقنَتْ بأنَّ الله - تعالى - مُنْجِزُ موعوده، فرجعت إلى بيتها بابنها من يومها.

فأنبته الله - تعالى - نباتًا حسنًا، وحفظه لما قد قضى فيه، فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ممتنعين به مِنَ السُّخْرة ما كان فيهم، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أَنْ تُرِيني ابني، فوعدتها يومًا تُرِينَها إِيَّاه فيه، فقالت امرأة فرعون لخزانها وظُؤَارتها وقَهارِمَتِها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهديَّةٍ وكرامة؛ لأرى ذلك فيه، وأنا باعثة أمينًا يُحصي كل ما يصنع كلُّ إنسان منكم، فلم تزل الهدايا والكرامة والنِّحَلُ تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فلما دخل عليها نحلته وأكرمته وفرحَتْ به وأعجبها، ونحلَتْ أمه لحسن أثَرِها عليه، ثم قالت: لآتِيَنَّ به فرعون فلينحلَنَّه وليُكْرمِنَّه، فلما دخلت به عليه جعله في حجره، فتناول موسى لحية فرعون فمدَّها إلى الأرض، فقال الغُواة من أعداء الله - تعالى - لفرعون:


(١) ش: ٢٢٧/ ب.

<<  <  ج: ص:  >  >>