بينا رسول الله ﷺ ذات يوم قاعد، وتلا هذه الآية: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣] ثم قال: «والذي نفس محمد بيده ما من نَفْس تُفارق الدنيا حتى ترى مقعدها من الجنة والنار».
ثم قال: «إذا كان عند ذلك صَفَّ سِماطان من الملائكة، نظموا ما بين الخافقين، كأنَّ وجوههم الشَّمس، فيَنْظُر إليهم ما يرى غيرهم وإن كنتُم تُرَوْن أنه ينظر إليكم، مع كلِّ ملَك منهم أكفانٌ وحَنُوطٌ، فإذا كان مؤمنًا بشَّرُوه بالجنة، وقالوا: اخْرُجي أَيَّتُها النَّفْسِ الطَّيِّبة إلى رضوان الله - تعالى - وجنَّتِه، فقد أعد الله - تعالى -[لك](١) من الكرامة ما هو خير لك من الدُّنيا وما فيها، فما يزالون يبشرونه ويَحُفُّون به، فلَهُم ألطفُ وأَرْأَفُ - يعني - من الوالدة بولدها، ويَسُلُّون رُوحَه مِنْ تحت كلِّ ظُفُرٍ ومَفْصِل، ويموت الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، وَيَبْرُد كلُّ عُضْوِ الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، ويُهوَّنُ عليه وإن كنتُم تَرَوْنَه شديدًا، حتى تبلغ ذقَنَه، فَلَهِي أَشَدُّ كراهة للخروج حينئذ من الولد حين يخرج من الرَّحِم، فَيَبْتَدِرُها كلُّ ملَك منهم أيُّهم يَقْبِضُها، فيَتولَّى قبضها ملك الموت ﵇» ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١].
قال: «فيتلقاها بأَكْفانٍ بِيضِ، ثم يَحْضِنُها إليه، فهو أَشَدُّ لها لزومًا من المرأة لولدها إذا ولدَتْ، ثم يفوحُ لها فيهم رِيحٌ أطيبُ مِنْ المِسْك، يتباشرون بها ويقولون: مرحبًا بالرِّيح الطَّيِّبة والرُّوح الطَّيِّب، اللهمَّ صَلِّ عليه رُوحًا، وصَلِّ عليه جسدًا خرجَتْ منه، فيَصْعَدون بها، ولله ﵎ خَلْقٌ في الهواء لا يعلم عِدَّتَهم إلا هو، فيَفُوح لها فيهم رِيحٌ أطيب من المسك، فيُصَلُّون عليها ويتباشرون بها، وتُفتح لها أبواب السَّماء، ويُصلِّي عليها كل ملك في كل سماء
(١) سقط ما بين المعقوفين من المخطوط، واستدركته من «الدر المنثور» ٦: ١٣٣.