تمر به، حتى يُوقَفَ بها بين يدي المَلِك الجبار، فيقول الجبار ﷿: مرحبًا بالنَّفْس الطَّيِّبة، وبجسد خرجَتْ منه، وإذا قال الرَّبُّ ﵎ للشيء: مرحبًا، [رَحُب](١) له كلُّ شيء (٢)، وذهب عنه كلُّ ضيق، ثم يقول:[اذهبوا](٣) بهذه النَّفْس الطيبة، فأدخلوها الجنَّةَ، وأَرُوها مَقعدها، واعْرِضوا عليها ما أُعِدَّ لها من النعيم والكرامة، ثم اهبطوا بها إلى الأرض، فإنِّي قَضَيْتُ أَنِّي منها خلَقْتُهم، وفيها أُعِيدُهم، ومنها أُخْرِجُهم تارةً أخرى.
فوالذي نفس محمد بيده، لَهِي أشدُّ كراهية للخروج منها حين كانت تخرج من الجسد وتقول: أين تذهبون بي؟ إلى ذلك الجَسَدِ الذي كنتُ فيه؟! فيقولون: إنَّا مأمورون بهذا، فلا بُدَّ لك منه، فيهبطون به على قَدْرِ فَراغِهم من غسله وأكفانه، فيُدخلون ذلك الرُّوحَ بين الجسد وأكفانه، فما خلق الله ﵎ كلمةً تكلمها حَمِيمٌ ولا غيرُ حَمِيم إلا وهو يسمَعُها، إلا أنَّه لا يُؤْذَن له في المراجعة، فلو سَمِع أشدَّ النَّاس له [حُبًّا](٤) ومَن أعَزَّهُم، كان عليه يقول: على رِسْلِكُم، ما يُعْجِلُكم، وأُذن له في الكلام للعنه، وإنَّه ليسمع خَفْقَ نِعالهم ونفض أيديهم إذا ولَّوْا عنه.
ثم يأتيه عند ذلك ملكان فظان غليظان، يُسمَّيان منكرًا ونكيرًا، يطان في القاصف، ومعهما عصًا من حديد، لو اجتمع عليها الجن والإنس ما أقلُّوها، وهي عليهما يسير، فيقولان له: اقعد بإذن الله، فإذا هو مستو قاعدًا، فينظر عند ذلك إلى خَلْقٍ كَرِيهِ فظيع يُنْسِيه ما كان رأى عند موته، فيقولون له: من ربك؟ فيقول: الله، فيقولان: فما دِينُك؟ فيقول: الإسلام، ثم ينتهرانه عند ذلك انتهارةً شديدة، ثم يقولان: فمن نبيك؟ فيقول: محمد ﷺ، ويعرق عند ذلك عرقًا يبتَلُّ ما تحته من التراب، ويصير ذلك العرق أطيب من ريح
(١) تصحفت في المخطوط بـ (وجب)، والمثبت من «الدر المنثور». (٢) ش: ٢٣٢/ ب. (٣) ما بين المعقوفين استدركته من المرجع المذكور. (٤) ما بين المعقوفين استدركته من المرجع المذكور.