قال محمد تقي الدين في هذا الحديث السؤال عن الله تعالى بأين، ومنعه الخوارج وسائر الفرق المعطلة كالمعتزلة والمتأخرين من الأشعرية، وزعموا أن من سأل عن الله بأين فهو مجسم، واختلفوا في كفره وفسقه ومعصيته، فيلزمهم نسبة ذلك إلى نبي الله الذي جاءنا بالإيمان، فقبح الله علمًا يفضي إلى مثل هذا، وفيه إقرار النبي ﵊ بأن الله في السماء، وأنكرته المعطلة، واختلفوا في كفر معتقده، فياويلهم! ماذا جنوا على أنفسهم بسبب جهلهم وعمى بصائرهم، فنعوذ بالله من الخذلان. اهـ.
الحديث الثاني: حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم عرفة: «ألا هل بلغت؟» فقالوا: نعم - يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها إليهم - ويقول:«اللهم اشهد» أخرجه مسلم (١)(٢)
قال محمد تقي الدين: ماذا تقول المعطلة في إشارة النبي ﷺ بأصبعه إلى السماء عند قوله: «اللهم اشهد» فهل كان يشير إلى العدم كما تعتقدون، فبعضكم يقول: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه. فالإشارة إليه عندكم مستحيلة، وقد أشار إليه النبي ﷺ وأشارت إليه الجارية، وأقرها على ذلك رسول الله ﷺ، والنبي وأصحابه على حق؛ فأنتم إذًا على باطل. اهـ.
«الحديث الثالث: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يرجع إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون» متفق عليه (٣)» (٤).
قال محمد تقي الدين نزول الملائكة من عند الله بأمره تعالى إلى الأرض ورجوعهم إلى الله، وذكرهم ما شاهدوه من صلاة المصلين، على أي شيء يدل هذا؟ هل يمكن أن يدل على أن الله في كل مكان، أو أنه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه؟ كلا! ثم كلا! وهل الفِرَقُ المعطلة تعرف الله أحسن مما يعرفه رسوله
(١) أخرجه مسلم (١٢١٨)، وأحمد (٣/ ٣٢٠ - ٣٢١). (٢) ذكره الذهبي في «العلو» (١/ ٢٧٢). (٣) أخرجه البخاري (٥٥٥)، ومسلم (٢١١). (٤) ذكره الذهبي في «العلو» (١/ ٢٧٣).