للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال الأشعري في كتاب «الأمالي»: (باب القول في الأماكن): زعمت المعطلة (١) أن الله بكل مكان، على معنى الصنع والتدبير، واختلف أصحاب الصفات في ذلك، فقال أبو محمد عبد الله بن كلاب: إن الله لم يزل لا في مكان، وهو اليوم لا في مكان، وقال آخرون منهم: إنه مستو على عرشه، بمعنى أنه عال عليه، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٦١] وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فامتدح نفسه بأنه على العرش استوى، بمعنى أنه علا عليه، وعلمنا أنه لم يزل عاليًا رفيعًا، قبل خلق الأشياء، وقبل خلق العرش الذي هو عالٍ عليه سبحانه وبحمده».

ذكر كلامه في كتابه الكبير في إثبات الصفات وقد ذكر ترجمة هذا الكتاب في كتابه الذي سماه «العمدة في الرؤية» (٢) فقال: وألفنا كتابًا كبيرًا في الصفات، تكلمنا على أصناف المعتزلة والجهمية المخالفين لنا في نفيهم علم الله تعالى وقدرته، وسائر صفاته، وعلى أبي الهذيل، ومعمر النظام، وفي فنون كثيرة من فنون الصفات في إثبات الوجه واليدين، وفي إثبات استواء الرب سبحانه على العرش. ثم ساق مضمونه. اهـ.

قول القاضي أبي بكر الطيب الباقلاني الأشعري: قال في كتاب «التمهيد في أصول الدين» وهو من أشهر كتبه: فإن قال قائل: فهل تقولون: إن الله في كل مكان، قيل: معاذ الله، بل هو مستو على العرش كما أخبر في كتابه فقال : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] ولو كان في كل مكان، لكان في جوف الإنسان، وفي فمه، وفي الحشوش، وفي المواضع التي يرغب عن ذكرها تعالى (٣) عن ذلك.

ولو كان في كل مكان، لوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم


= (ص ٩)، وابن السبكي في «طبقات الشافعية الكبرى» (٣/ ٣٩٩)، وابن تيمية في «الحموية» (ص ٤٢٩)، والذهبي في «العلو» (١٢٤٠ - ١٢٥٥).
(١) في مطبوع «اجتماع الجيوش الإسلامية»: «النجارية».
(٢) لم أجد من تكلم عما يتضمنه غير ما قاله ابن عساكر في «تبيين كذب المفتري» (ص ١٢٨): «ذكر في كتابه الذي سماه العمد في الرؤية» أسامي أكثر كتبه وأفاد أنه جمع فيه ما صنفه إلى سنة عشرين وثلاث مئة.
(٣) في مطبوع «اجتماع الجيوش الإسلامية»: «تعالى الله».

<<  <  ج: ص:  >  >>