درجت من عشبه النسور القشاعم (١)، والصقور الأجادل (٢). وإمام يفخر البيت المقدّس بمولده، وبطحاء مكة بمحتده (٣). والمطّلب بن عبد مناف بكونه من ولده، وابن أخيه عبد المطلب بن هاشم بتألّق فرقده (٤)، ما كان يقصر عن أولئك الأوّل من أهل الشعب لو حضر يوم الصحيفة (٥)، وحظر على سروات (٦) قريش قبح تلك الآراء السخيفة، ولما عدا مطّلب بني المطلب أبيه، وانتخى لبني عمه بني هاشم على أخيه، حتى تنقاد شموس بني عبد شمس وتذعن نوفل بأن عدم مباينتها لهم أمس (٧)، بل لو تقدمت شمسه قليلا حتى أدرك ذلك الجيل، وجال في ذلك الصدر الجليل، لكان من أركان البيت بيت هاشم المعرق في بني لؤي، وسكان بيت البطحاء المجمع عليه لقصي، وأقرباء أهل العباء والمعد للمفاضلة في أهل المباهلة، بيد أنه من قريش في سرّة أباطحها (٨)، وأسرّة جحاجحها (٩)، وآبائها الشمّ الأنوف الكرام الضيوف، الخضر الأندية والكفوف، المتقدمة على العرب تقدّم الإمام على الصفوف، وقد حفظ دين محمد ﷺ على أمته، واقتاد العلم بأزمّته، فأصبح يجادل بحججه، ويقتحم البحر في لججه، وطلب الحديث حتى التقفه من أفواه الرجال، واقتطفه قبل تحين الآجال.
(١) القشعم: والقشعام: المسنّ من الرجال والنّسور والرخم لطول عمره، وهو صفة. (٢) الأجدل: الصّقر، كالأجدليّ، وجمعه: أجادل. (٣) المحتد: الأصل، والطّبع. (٤) الفرقد: النجم. (٥) يشير إلى حصار النبي ﷺ وبني هاشم في شعب أبي طالب، ثم تمزيق الصحيفة التي اختطتها قريش وقاطعتهم فيها. (٦) سروات: أي أشراف قريش، وكبراؤهم. (٧) كذا تقرأ هذه اللفظة. (٨) الأبطح والبطحاء مسيل واسع فيه دقاق الحصى والجمع الأباطح. (٩) الجحاجحة: جمع جحجاح وهو السيّد الكريم، والهاء فيه لتأكيد الجمع.