وتفقه على مالك، ثم مال إلى أوسع مجال، وجثا له على ركبتيه، وكالشياهم (١) قعود ربات الحجال (٢)، وخاف الرشيد منه على الخلافة ويحق له أن يخاف، وظن الناس تثب معه لولا العقول السخاف. ولم يكن في عصره أجمع منه لشروط الإمامة، ولا أنقع للغلل ولا الغمامة (٣).
وكان حلس (٤) الحرب، وحلف الغمام إذا اشتد الكرب، لندىّ تفيض سواكبه، وتغيض البحار وأدناها مواهبه، وتحصى النجوم ولا تعدّ مناقبه، وتحدّ الغيوم ولا تحد سواكبه، مع حبّ أشربته له النفوس وشربته على هلال جبين ما مثله شفاه الكؤوس، وقرب من الناس ينأى مداه، ويشاء الغيث جداه، وما علمه واحد بل شتى، ولا فضله إلا ما يفتى، مع آداب لا لغو في كأسها ولا تأثيم، وأطراب لا حرج فيها ولا تحريم، وإنما هي جنى جنات قطوفها دانية، وصفوفها متدانية، وشنوفها (٥) لا تقرط بها حسناء، ولا تجد غنى غانية، نهلة من العرب (٦) جرعها، وذروة من الأدب فرعها، ومروة (٧) من الشعر نحو صفا المشقّر (٨) قرعها، بأبيات مأهولة نفخ فيها الروح، ونفخ بينها النسيم كأنها الخيام بذي طلوح (٩).
(١) جمع شيهم ذكر القنفد. (٢) الحجال: جمع حجل: الخلخال تستعمله المرأة. (٣) هنا بياض قدر كلمة. (٤) حلس بيته: لم يفارقه. (٥) الشنوف، جمع شنف: القرط الأعلى، أو معلاق في قوف الأذن، أو ما علّق في أعلاها، وأمّا ما علّق في أسفلها فقرط. (٦) العرب: الماء الكثير الصّافي، ويكسر راؤه. (٧) المروة: حجر أبيض برّاق. وقيل: هي التي يقدح منها النار. ومروة المسعى: التي تذكر مع الصّفا، وهي أحد رأسيه اللّذين ينتهي السّعي إليهما سميت بذلك. والمراد في الذبح جنس الأحجار، لا المروة نفسها. (٨) المشقّر: حصن قديم من أرض البحرين. (٩) ذو طلوح: موضع ذكره في القاموس ٢٤٦: ١ وياقوت ٣٩: ٣.