كان يحفظ ديوان هذيل، ويلفظ أشهر (١) من سهيل، وكانت له فراسة هي فراسة المؤمن التي لا تخطئ، وظنانة هي كمخيلة (٢) النوء لا تبطئ.
سكن مكة المعظّمة، حيث شرب للعلم ماء زمزمها، وطلع قمرا في أفق مأزمها (٣)، ثم استوطن مصر يزيد على نيلها في وفائه، وعلى مقطعات خلجها في صفائه، وانتشر هنالك علمه الغزير، وتوارى في سرار (٤) ترابها بدره المنير، ودفن بها بالقرافة حيث هو الآن القبة المعقودة، وآثار الجود الموجودة، ولوامع البركات الباقية المشهودة.
كان الشافعي رحمه الله تعالى كثير المناقب، جمّ المفاخر، منقطع القرين، اجتمعت فيه العلوم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وكلام الصحابة وآثارهم، واختلاف أقاويل العلماء، وغير ذلك من معرفة كلام العرب، واللغة، والعربية، والشعر، حتى إن الأصمعي مع جلالة قدره في هذا الشأن، قرأ عليه أشعار الهذليين - ما لم يجتمع في غيره، حتى قال أحمد بن حنبل: ما عرفت ناسخ الحديث ومنسوخه حتى جالست الشافعي (٥).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما رأيت رجلا أكمل من الشافعي (٦).
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي؟.
(١) كذا في الأصل وسهيل النجم المعروف. (٢) مخيله: السحاب مبشرة بالمطر. (٣) المأزم: المضيق في الجبال حيث يلتقي بعضها ببعض ويتّسع ما وراءه. والميم زائدة، وكأنه من الأزم القوّة والشدّة. وهو موضع في مكه يحدد بين المشعر الحرام وعرفة يفضى آخره إلى بطن غرنة (ياقوت ٤٠: ٥). (٤) السرار: ليالي اختفاء القمر. (٥) وفيات الأعيان لابن خلكان ٤/ ١٦٣. (٦) حلية الأولياء ٩/ ٩٤، وتاريخ بغداد ٢/ ٦٧. وابن خلكان ١٦٣: ٤.