للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فأخرجت منه ما طلب من ألوان شتّى، وأصباغ ما ترك في جملتها من تفاصيل الزهر نبتا، فجاء بما ظهر من ألوانه، وأشبه الزهر في أوانه، حتى جاء بما يقرّ قوس قزح لتلوينه، وتقرّ عيون الرياض لو برزت في أفانينه، ويعيد زمان الربيع وقد ذهب، ويواصل بصنائع صنعاء وقد انقطع الجلب، وتتمنى العرائس لو جليت في حلله الملونة، ورفعت أنماطها من أفانينه المفنّنة، وزينت صورها الحسان بجلابيبه المحسّنة، وجاء بألوان البصرة كما يقال إلا أنها تملأ البصر، وتربأ عن مصبغات المحاسن التي في تراكيب الصور، والتشبيه بخضرة العذار، وحمرة الخد، وبيان الجبين، وسواد الطرر،. حرجا مما يحرك هوى، أو يحرض على جوى، الله أكبر إنّ بالفضل لكلفا أكثر من الكلف بالحسان، وأكبر من أن يوصف إلا إذا جفّ اللسان، ولقد جمع فما أبقى كتابه "الشامل"، ولا خلى إلا السحاب ودمعه هامل، ولا أغرى بتمامه إلا البدور بالنقص وهي كوامل، بلى أبات حاسده بليال طوال كسهره في تصنيفه، وقاسمه مقالة الناس له بشكره، ولحاسده بتعنيفه.

وكان فقيه العراقين في وقته، وكان يضاهي الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، ويقدم عليه في معرفة المذهب، وكانت الرحلة إليه من البلاد (١).

وكان تقيا، حجة، صالحا، وله مصنّفات مفيدة، منها: كتاب "الشامل" في الفقه، وهو من أجود كتب الشافعية وأصحّها نقلا وأثبتها أدلّة (٢).

وتولّى التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد، أول ما فتحت، ثم عزل عنها بالشيخ أبي إسحاق، وكانت ولايته لها عشرين يوما (٣)، ثم أعيد إليها بعد وفاة


(١) قال اليافعي: "يعنون في معرفة الفروع، أما معرفة الأصول والمباحث العقلية فأبو إسحاق مرجّح عليه، وعلى عامّة الفقهاء إلا من شاء الله تعالى". انظر: مرآة الجنان ٣/ ١٢١.
(٢) وفيات الأعيان ٣/ ٢١٧ - ٢١٨.
(٣) وذلك في سنة تسع وخمسين وأربعمائة من الهجرة. تاريخ الإسلام للذهبي ٣٢/ ١٩٩. ووفيات الأعيان لابن خلكان ٣/ ٢١٧ - ٢١٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>