وأوضح البلغاء إحسانا، لعباراته في الفقه نزعات أدبية، ونزغات عربية، كأنما جاء بها من البادية، تلاعبها أعطاف ريحها، وتجاذبها أطراف البداوة إلى لمم شيحها (١)، كأنما كلامه صفائح زبر (٢)، أو صحائف خبر، أسرى من الخطب في المسامع، وأسرع من البخت في المطامع، وفي دلائه علم يضوي الحنادس (٣)، ويضوّع (٤) المجالس، ولقد اختار أبوه أمّا أخرجه من وعائها النظيف، وزرع في أرضها الزاكية منبته الشريف، ثم احتاط لمطعمه، وخاط بالحمية على فمه، حتى طلع ذهبه خالصا، وسطع بدره، وما طلع هلاله إلا تاما لا ناقصا، وقد ذكرت في ترجمة أبيه ما هو المشهور في حسن مرباه، وذكرت هنا ما ذكره ابن خلكان على ما يأتي وإن نافاه، وقد يكون هذا غير ذاك، وقد يكون إياه، غير أن الرواية اختلفت، وكلتاهما بتمام المراد قد وفّت.
تفقّه في صباه على والده أبي محمد، وكان يعجب بطبيعته وجودة قريحته، وما يظهر عليه من مخايل الإقبال، فأتى على جميع مصنفات والده، وتصرّف فيها حتى زاد عليها في التحقيق والتدقيق، ولما توفي والده قعد مكانه للتدريس، وإذا فرغ منه مضى إلى الأستاذ أبي القاسم الإسفراييني الإسكافي بمدرسة البيهقي، حتى حصّل عليه علم الأصول.
ثم سافر إلى بغداد، ولقي بها جماعة من العلماء، ثم خرج إلى الحجاز، وجاور بها أربع سنين، وبالمدينة، يدرّس ويفتي، ويجمع طرف المذهب، فلهذا قيل: إمام الحرمين.
(١) الشيح: نبت طيب الرائحة. (٢) الزّبر: قطع الحديد. (٣) قال في القاموس: الحندس، بالكسر: الليل المظلم، والظّلمة، ج: حنادس. وتحندس اللّيل: أظلم. (٤) أي يعطّر المجالس.