وشاغلته بثديها، فرضع منه قليلا، فلمّا رآه شقّ عليه وأخذه إليه، ونكس رأسه، ومسح على بطنه، وأدخل إصبعه في فيه، ولم يزل يفعل به ذلك حتى قاء جميع ما شربه، وهو يقول: يسهل عليّ أن يموت، ولا يفسد طبعه بشرب لبن غير أمه (١).
ويحكى عن إمام الحرمين أنه كان يلحقه فترة في بعض الأحيان في مجلس المناظرة، فيقول: هذا من بقايا تلك الرضعة! (٢).
ومولده في ثامن عشر المحرم، سنة تسع عشرة وأربعمائة.
ولما مرض حمل إلى قرية من أعمال نيسابور، يقال لها بشتنقان، موصوفة باعتدال الهواء، وخفة الماء، فمات بها ليلة الأربعاء، وقت العشاء الآخرة، الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
ونقل إلى نيسابور تلك الليلة، ودفن من الغد بداره.
ثم نقل بعد سنين إلى مقبرة الحسين، فدفن بجنب أبيه، وصلّى عليه ولده أبو القاسم، وأغلقت الأسواق يوم موته، وكسر منبره في الجامع، وقعد الناس لعزائه، وأكثروا فيه المراثي (٣)، وكانت تلامذته يومئذ قريبا من أربعمائة واحد، فكسروا محابرهم وأقلامهم، وأقاموا على ذلك عاما كاملا (٤).
(١) وفيات الأعيان لابن خلكان ٣/ ١٦٩، وطبقات الشافعية الكبرى للإمام السبكي ٥/ ١٦٨ - ١٦٩. (٢) المصدرين السابقين - المواضع نفسها. (٣) ومن جملة ما رثي به: قلوب العالمين على المقالي … وأيام الورى شبه الليالي أيثمر غصن أهل العلم يوما … وقد مات الإمام أبو المعالي انظر: وفيات الأعيان ٣/ ١٧٠ وتاريخ ابن الوردي ١ - ٣٨٣، ومرآة الجنان ٣/ ١٣١. (٤) وفيات الأعيان لابن خلكان ٣/ ١٧٠، وتبيين كذب المفتري ٢٨٤ - ٢٨٥، والمنتظم ٩/ ٢٠، و ١٦/ ٢٤٧، وسير أعلام النبلاء للذهبي ١٨/ ٤٧٦، وذيل تاريخ بغداد لابن النجار ٩٣ - ٩٤، وطبقات الشافعية للإسنوي ١/ ٤١١.