للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثمّ فوّض إليه الوزير تدريس النظامية ببغداد، فدرّس بها في جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وأعجب به أهل العراق، وارتفعت عندهم منزلته.

ثم ترك جميع ما كان عليه في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وسلك طريق الزهد والانقطاع، وقصد الحجّ، فلمّا رجع توجّه إلى الشام، فأقام بدمشق مدة يذكر الدروس في الزاوية الغربية من الجامع الأموي.

ثم انتقل إلى بيت المقدس، واجتهد في العبادة، وزيارة المشاهد، والمواضع المعظّمة، ثم قصد مصر، وأقام بالإسكندرية مدة، ويقال: إنه قصد منه الركوب في البحر إلى بلاد المغرب، على عزم الاجتماع بالأمير يوسف بن تاشفين صاحب مراكش، فبينما هو كذلك، بلغه نعي يوسف المذكور، فصرف عزمه عن تلك الناحية (١).

ثم عاد إلى وطنه بطوس، واشتغل بنفسه، وصنّف الكتب المفيدة في عدة فنون، ثم ألزم بالعود إلى نيسابور، والتدريس بها بالمدرسة النظامية، فأجاب إلى ذلك بعد تكرار المعاودات، ثم نزل في وطنه، واتخذ خانقاه للصوفية، ومدرسة للمشتغلين بالعلم في جواره، ووزع أوقاته على وظائف الخير من ختم القرآن، ومجالسة أهل القلوب، والقعود للتدريس، إلى أن انتقل إلى ربه يوم الإثنين، رابع عشر جمادى الآخرة، سنة خمس وخمسمائة (٢).

وقد أورد له عماد الدين الأصبهاني في "الخريدة" (٣):

حلّت عقارب صدغه في خدّه … قمرا فجلّ بها عن التشبيه


(١) وفيات الأعيان لابن خلكان ٤/ ٢١٧.
(٢) انظر: المنتخب للفارسي عبد الغافر ٧٤ - ٧٥، ووفيات الأعيان ٤/ ٢١٨. وتاريخ الإسلام للذهبي ٣٥/ ١٢٦.
(٣) وفيات الأعيان لابن خلكان ٤/ ٢١٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>