منتصرا لمذهب أبي الحسن الأشعري، منتصبا لخصم خصمه الجري، شديد البغضاء لأهل التجسيم، قد أورثهم سلّ الأسقام، وسلّ عليهم الانتقام، وسلّط عليهم التضييق في كل مكان، وكان سيفا من وقف أمامه طرق، وسيلا من جاء قدّامه غرق، وناره لا تبوخ (١)، وأرضه لا تسوخ (٢)، ورواشق سهامه لا تخطئ المواقع، وبوائق فكره لا تحل الأعداء إلا البلاقع، إلى أن دالت دولة الأشرف شاه أرمن موسى بن العادل، واستمر مريرها، وخضع منبرها له وسريرها، وكان يميل إلى هذه الخرقة، ويظنّ أنها المحقة، حتى أنست له أكثر حقوقه، وجرت مجرى الدم في عروقه، فأخذ في معارضته وتسكيت عارضته، ويأبى هو إلا أن يجري على غلوائه، ويسري على أضوائه، والأشرف قد أشرف في خلافه، وأشرف على إتلافه، إلا أن الله أنجده بالحصيري (٣) إمام الحنفية، فدخل على الأشرف القلعة وهو على حماره، لم ينزل عنه إلا على فرش داره، وقام الملك الأشرف حتى كان هو الذي نزله وتلقاه وبجّله، ثم أجلسه مكانه، وبذل في كرامته إمكانه، وأقبل عليه فرآه الأشرف قابلا على ابن عبد السّلام، قائلا إنه على معتقده هو من دان دين الإسلام، فلم يسع الأشرف الرد عليه، ولا سلّم بباطنه إليه، فقوي ابن عبد السّلام بعد أن وهن، وتكلّم بعد أن سكت، وتراجعت سورة غضبه لربه، وترادت عزيمته إلى جهاده وذبّه، وكان آخر حاله أنه نفي وكفوا همّه وكفى.
ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة، أو في التي بعدها.
وسمع حضورا: من أحمد بن حمزة بن الموازيني، وبركات بن إبراهيم الخشوعي (٤).
(١) قال في القاموس: "باخت النار والحرب تبوخ بوخا وبووخا وبوخانا: سكنت وفترت. (٢) قال في القاموس: يقال: ساخت بهم الأرض تسوخ سوخا وسؤوخا وسوخانا إذا انخسفت. (٣) هو أبو المحامد محمود بن أحمد المعروف بالحصيري المتوفى سنة ٦٣٦ هـ انظر الجواهر المضيئة ٤٣١: ٣. (٤) تاريخ الإسلام للذهبي ٤٨/ ٤١٦.