للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قيامته بانتظاره، ومضى أكثر الليل وما حظي بمزاره، فقام يطوف حول البركة إذ لا يقدر على أن يطوف بربعه، وينظر إلى الماء ويكاد يغرقه بدمعه، هذا والشوق في أحشائه يضطرب، والساعات تمضي وحبيبه لا يدنو ولا يقترب، وكان الغلام فوق أمل المقترح، وأحسن من الغزال لمن يلتمح، لا يشبه الغصن لين قامته، ولا يراه إلا من يئس من سلامته، فجعل يقول (١):

أنا والله تالف … آيس من سلامتي

أوأرى القامة التي … قد أقامت قيامتي

ولم يزل يكرّرها حتى فتح الباب، وطلع عليه الصباح بوجهه المشرق، فانمحى صبغ الليل وانجاب، وبات وليت مثله كل عاشق يظفر بمواصلة الأحباب.

وحكي أنه كان يهوى غلاما من أبناء الملوك الشير كوهية (٢)، تبّله غراما، وصيّر منامه عليه حراما، فكان يكثر الركوب إلى برزة (٣)، مظهرا أن توجهه لزيارة المقام، وقصده المرور على باب الغلام، ولا يقدر له أن يراه، ولا يستطيع في دفع حبه أكثر من أنه واراه، فمرّ مرّة ببابه، وهناك رجال من أقربائه، فعرضوا عليه النزول عندهم من حرّ الهجير، وكان الزمان صيفا يتوقّد شراره، فثنى القاضي رجله ونزل، وكان هذا أكبر أمانيه، وجل قصده، ولأجله كان يطوف حول معانيه، فلما قامت الظهيرة، وطاب النزول في الماء، نزلت الغلمان إلى نهر لتبترد بالماء، وتطلع في أفقه طلوع النجوم في السماء، وقد شدوا سود المآزر على بيض الروادف، فطرفوا الصباح بالظلماء، وانغمسوا في ماء النعماء، وذاك الغلام


(١) البيتان في فوات الوفيات ١١٣: ١.
(٢) نسبة إلى شيركوه بن شاري الملقب أسد الدين عم صلاح الدين الأيوبي، انظر ترجمته في ابن خلكان ٤٧٩: ٢.
(٣) برزة: قرية من غوطة دمشق انظر ياقوت ٣٨٢: ١.

<<  <  ج: ص:  >  >>