بينهم يسبح، وقد شخص إليه بصر القاضي فما يبرح، فنهاهم فقيه هناك، لم يلم العشق له بفؤاد، ولم يبت وهو يدري كيف تفتت الأكباد، فذبح القاضي بما جاء به من الاعتراض، وحال بينه وبين بوادر الأغراض، فزجر القاضي ذلك الفقيه المعترض، وسلّ عليه سيف عتبه الممض، ثم أقسم أنه لا قعد إن خرجوا من الماء، ولا لبث، ثم أنشأ يقول غير مكترث (١):
وسرب ظباء في غدير تخالهم … بدورا بأفق الماء تبدو وتغرب
يقول خليلي والغرام مصاحبي … أما لك عن هذي الصبابة مذهب؟
وفي دمك المطلول خاضوا كما ترى … فقلت له: ذرهم يخوضوا ويلعبوا
وحكي أنه مرّ مرة أخرى بعد ذلك بالمكان لعلّه يرى ذلك الغصن في ذلك البستان، وكان قد سافر منه في بكرة ذلك النهار، وسار وترك من أثر موقده في قلب القاضي النار، فقال:
كأنّني يوم بان الحي عن أضم … والقلب من سطوات البين مذعور
ورقاء (٢) ظلت لفقد الإلف ساجعة … تبكي اشتياقا عليه وهو مأسور
يا جيرة الحي هل من عودة فعسى … يفيق من سكرات الوجد مخمور
إذا ظفرت من الدنيا بقربكم … فكل ذنب جناه الحبّ مغفور
وحكي أنه كان قد دعي إلى وليمة عملت لبعض أبناء الأكابر في بستان، وقد أعرس، فلما أكل منها ورشّ عليه من ماء الورد، ركب ولم ينظف يده، وكان يكره الزّفر، فرأى فقيها كانت له به خصوصية، وتحت ثيابه شيء يحمله، فسأله عما معه؟ فقال: ماء ورد، فقال: اسكب على يدي منه، فتأبّى، وألحّ القاضي عليه في إخراجه، وكان معه، فلما لم يجد الفقيه بدّا أخرج ما معه، فلما رآه
(١) الأبيات في فوات الوفيات لابن شاكر ١/ ١١٤. (٢) يقال للحمامة: "ورقاء" لأن في لونها بياضا إلى سواد.