للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ادّكاره، ومن دونه بحر من السراب متأق (١)، وبيداء لا تجتازها من الريح سملق (٢)، وليل لا تبدو النار في سواده، وطود لا ترسي الأرض إلا بأوتاده، والنهار لا يتوضح، والدهر ليل كلّه ليس يبرخ، وعينه قد غار دمعها فما له قرار، وجفا الغمض أجفانها القصار، والنجوم لا تغور كأنما مسخ فيها النهار، قد كتم الفجر منها الخفاء، وعدم الصباح كأنه جود أو وفاء، وهو في شغل بليلى، وهي في شغل بسواه، لا يميل غصنها لهواه، لاهية عن شؤونه، ساهية عما يحمل منها على عيونه، لا يرثي طرفها النائم لطرفه الساهر، ولا يعرف ما فعل الدمع بالناظر، فلم يكن له إلا أن يخاطب إيماض البرق على دارها، ويجاذب عطف الصّبا لازديارها، وفي بعض شجونه وهواه بها وجنونه، قوله:

ألا هل صبا أو بارق بات موهنا … على دار ليلى والنفانف (٣) دونها

يبلّغ عينيها تحية ناظر … أعار الغوادي المعصرات جفونها

يبيت على جمر يشب بذكرها … ويكتم ما يلقى يخاف ظنونها

يراع لبرق بالثنايا كأنما … عليه سيوف الهند هزّت متونها

لئن غاب عنكم حسن ليلى وحبّها … فها فانظروا مجنونها وجنونها

وحدّثت عمّن كان يطّرح معه المؤونة، ويبوح إليه بأسراره المصونة، أنها جاءت مرة إليه، وقلب البرق يخفق غيرة عليها، وعين النجم تنظر شزرا إليها، في ليلة ما لها سحر، ولا لآخرها عنده خبر، قد قصّرها منادمة الحبيب، ومداومة الوصال على قلع عين الرقيب، مرّت وهي حلوة المذاق، كأنها قبلة على حذر، يدفع في صدرها يد السحر، وتولّت قصيرة كالنظر المخلوس، غزيرة بنور


(١) كذا في الأصل لعله: متألق.
(٢) السّملق: الأرض المستوية الجرداء التي لا شجر فيها.
(٣) نفانف الدار: نواحيها؛ وصقع الجبل الذي كأنه جدار مبني مستو: نفنف.

<<  <  ج: ص:  >  >>