للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الكؤوس، قد حسنت كأنها يوم أغرّ، وحسبت أنها في مقلة الدهر حور، ثم أعقبها وقت للسرور فيه نمو، ويوم كأنّ العشي فيه غدو، في مجلس لم يلو فيه على الذنوب، ولا يذود العفاف به هوى في القلوب، وقد شوشت الريح طرّة الورد، وجمعت أصابع المنثور قرصة البرد، وهلال الصيام قد لاح نضوا، وأومأ للسجود إذ جاءه سهوا، فنعم بليلة ويوم ما شاب صفوهما تكدير، ولا دب ليومها عذار ولا في مفرق ليلها قتير، لكنّهما انقضيا، وما منهما إلا أضوأ وأقصر من ذبالة (١)، وأماله حتى طار النهار وأجفلت الغزالة (٢)، فقال:

سمح الزمان وكان جد شحيح … من بعد ما متّ عادت روحي

جاءت ومسح الليل أسود مسبل … لا شكّ قد وافى إليّ مسيحي

أحييت فيها ليلتي وحييتها … هو قبلتي وبثغرها تسبيحي

وبقيت يومي كلّه متمتّعا … وبها غبوقي المشتهى وصبوحي

حتّى إذا ما اليوم ولّى طائرا … ولّت ولكن خلّفت تبريحي

وحدثت عنهم أنهم دخلوا عليه يوما وقد خطرت على خاطره نسمة من ذكرها أجرت دموعه، حتى فاضت على نحره، وأسبلت البكاء حتى غرق إنسان عينه في بحره، فقالوا له: أيها الرجل مهلا على غربك (٣)، ورفقا لا يذهب البكاء بقلبك، فازداد بكاؤه إلى أن قالوا: حصاة كبده تفتّت، وظنّوا أن جملة صبره تشتت، فبقوا يحدثونه، ولا يحدثهم إلا زفراته القائلة، وينادونه ولا تجيبهم إلا عبراته السائلة، فلما هموا بالانصراف كفّ بعض ذلك الإسراف،


(١) الذّبالة: الفتيلة التي تسرج، والجمع ذبال.
(٢) الغزالة: الشمس. ومنه: غزالة الضّحى وغزالاته: أوّله، أو بعيد ما تنبسط الشمس وتضحى، أو أوّلها إلى مضيّ خمس النّهار.
(٣) الغرب: الحدّة، والنّشاط، وعرق في العين يسقي لا ينقطع، والدّمع، أو انهلاله من العين.

<<  <  ج: ص:  >  >>