وسرحت جياد العزم في مصائد شوارد حمده فما سرح شيء منها ولا سنح، وكيف يجلى مطلع الفوائد ما لا يعلو على دراري النجوم، وتحلّى مجمع الفرائد بما يفوق الدر المنظوم، أين من فلك المعاني فلك الصور، وأين بحر اللآلي من بحر الفكر، هذا الفلك مطلع صباح البصائر، وذاك مطلع صباح الأبصار، وذاك يتعاقب فيه شمس وقمر، وهذا كله شموس وأقمار، وهذا البحر يفعم بدرّه وإناء كل من اغترف، وذاك إن ولد درّأ خبّأه تحت قراره في الصدف، فلا غرو أن أحجمت عن سلوك هذا المهيع (١)، لا سيما وقد جعلوا من وسم الكتاب باسمه معنى كلمهم، وبلاغة حكمهم، وسراج منهاجهم، ودرة تاجهم، وطراز حلة وشيهم المرقوم، وواسطة در عقدهم المنظوم، فبلغوا من رتب البلاغة غاية المراد، لما شاهدوا مجموع الجمال الفريد في ذات العماد".
ومنه قوله وقد أرسل إليه والدي ﵀ كتابا أنشأته ليقف عليه، فكتب إليه، وينهي أنه وقف على هذا الكتاب الذي ما أنتجه إلا فكر لبيب، ولا أظهره إلا أفق أديب، ولا أمدّ شعاعه إلا شهاب منير، ولا أهدى نوءه إلا سحاب درّه درّ، وبرقه مستطير، تضمّن من الألفاظ الأدبية واللطائف العربية ما تحدّى به على البلغاء، فلم يواخوه، وعظم به شأن عبد الحميد لما قيل إنه ابن يحيى فظنوا أنه أخوه، أقسم المملوك بأمانه جهد إيمانه أنه طرب لمواضع منه طربا كاد يستخفه، ويميل به لما كان كالمدام من تلك الزجاجة يستشفه، فهنئ منه مولانا بسيد كريم، وإمام علم من حاضره قال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٢).
وقوله في ورقة كتبها إليه: " وحاشا لله أن يسوء سيده بفعله، أو يقابل حلمه بالإقدام على ما يغير عوائد فضله، معاذ الله، معاذ الله، ومن يجحد منن الغمام،
(١) المهيع: هو الطّريق الواسع المنبسط. والميم زائدة، وهو مفعل من التّهيّع: الانبساط. (٢) سورة يوسف - الآية ٧٦.