أراه، أما إنه هو الذي منَّ عليَّ بهذا الدِّين، فأنا أنتظر نبي الرحمة الذي وصفه لي، قلتُ: وكيف وصفه لك؟ قال: فإنه وصفه لي، وقال: إنَّ نبيًا يقال له: نبي الرحمة محمَّدُ بنُ عبدِ الله، يخرج من جبال تهامة، يركب الجمل والحمار والفرس والبَغْلَ والبَغْلةَ، ويكون الحُرُّ والمملوك عنده سواء، وتكون الرحمة في قلبه وجوارحه، لو قُسِمَتْ بين الدُّنيا كلها لم يكن لها مكان، بين كتفيه بَيْضةٌ كبيضة الحمامة عليها مكتوب باطنها الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، وظاهِرُها: توجه حيث شِئْتَ فإنَّك المنصور، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، ليس بحقود ولا حسود، ولا يَظْلِم مُعاهِدًا ولا مسلمًا، فمن صدق به ونصره كان معه يوم القيامة في النُّور الذي يُعطاه، والرَّوْحِ الذي يُعطاه، والأمن الذي يعطاه، فقُمْتُ مِنْ عنده، فقلت: لعلّي أقدر على صاحبي، وأسأل عنه.
فخرجت من بيت المقدس، فمشَيْتُ غير بعيد، فالتفت يمينًا وشمالًا لا أرى شيئًا، فمر بي أعرابٌ مِنْ كَلْب، فاحتملوني حتى أتوا بي (١) يثرب، وسمَّوْني مَيْسَرة، فجعلتُ أُناشدِهُم، فلا يَفْقهون كلامي، فاشترتني امرأة يقال لها: خُلَيسة بنتُ فلانٍ حليف بني النجار بثلاث مئة درهم، فقالت لي: ما تُحْسِن؟ قلت: أُصَلِّي لِرَبِّي، أعبد ربّى، وأَسُفُ الخُوصَ، قالت: ومَن ربُّك الذي تعبده؟ قلت: ربُّ محمَّدِ بنِ عبدِ الله، قالت: ويحك! ذاك بمكة، ولكن عليك هذه النَّخْلةَ وصَلِّ لِرَبِّك لا أمنَعُك، وسُفَ (٢) الخوص، واسْعَ على بناتي، فإنَّ ربَّك - يعني: إِنْ تُناصِحْه في العِبادة - يُعْطِكَ سُؤْلَك في الدُّنيا والآخرة.
فمكثت معها (٣) ستة عشر شهرًا حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة، فبلغني ذلك بعد خمسة أيام وأنا في أقصى المدينة في زمن الخلال، فالتقطتُ شيئًا من الخلال، فجعلتُ في ثوبي، وأقبلت أسأل عنه ﷺ، حتى دخلتُ عليه وهو في