الشَّفَة غَضِيضُ الطَّرْف، شديد الحياء، ليس بالطويل الفاحش (١)، ولا بالقصير، ممدود العنق، ليس بالقصير ولا بالطويل، جَعْدُ الشَّعَرِ، كَثُ اللَّحْية، حسَنُ الشَّيْبَة، بَشِرُ الوجه، سَمْحُ الخُلُق، شَتْنُ الكفين والرِّجْلَيْن، شديد التَّواضع، ليس في قلبه مِنْ الكِبر مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، يُحِبُّه مِنْ أُمَّتِه مَنْ رآه ومن لم يره، قد وهب الله ﷿ له شفاعةً يوم القيامة، بين كتفيه خاتَمُ النُّبوَّة، يقبل الهديَّةَ، ولا يَقْبل الصَّدقة، يُسَوِّي نفسه بالنَّاس، لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَدْعُوَ إلى الإسلام الصَّغير والكبير، والأسود والأحمر، والمرأة والرجل، أصدقُ النَّاس لسانًا، وأوفاه عَهْدًا، لا يَغْدُر ولا يخون، إذا سلَّم على الرجل عرَفَ أَنَّه رسول الله، نُصر بالرُّعْب شهرًا، وجُعِل رِزْقُه تحت رُمْحِه، إذا خرج كذَّبَ به قومه، ثم يُهاجِرُ إلى يثرب، فيَذْبَحُ مَنْ خالفه، يضَعُ الجِزْية، ويكسر الصليب، وتُفْتَحُ له البلاد، ويدين له الخَلْق، وهو النَّبيُّ حقًا، وهذا أوان خروجه، وأوشك أن يكون قد خرج، أو: قد هاجر.
قال: فلما سمِعْتُ مَقالته خرجتُ وسِرت في البرية، فسبَتْني العرب، فاستخدمتني، واستعبدَتْني سنين، فهرَبْتُ منهم، فأخذتُ طريق الحجاز، فلقيتُ قومًا جمالين غُرَباء، فقلت لهم: يا هؤلاء، إني أخاف أَنْ أُسْبَى، فاخْفِروني وأُعطيكم مثاقيل ذهبًا معي، فسِرْتُ معهم، فأغار عليهم قوم من العرب فسبوهم وسبوني معهم، وجاؤوا بي إلى المدينة، وكانوا تجارًا، فلما نزلوها سألت عن النَّبِيِّ ﷺ، فَأُخْبِرْتُ أنه بها، فخرجتُ في طلبه.
فلما كنتُ في بعض أزِقَّةِ المدينة، جلستُ فنِمْتُ، فرأيتُ فيما يرى النائم أنِّي في دارٍ قد كُسِيتُ وحُلِّيتُ، وأُجْلِسْتُ على سرير، ووُضِعَ على رأسي تاج، وقيل لي: نجَوْتَ مِنْ النَّار، ودُفع إليَّ كتابٌ، فقيل لي: هذا رحمة لك، وسوف نُرِيك محمَّدًا الذي جِئْتَ في طَلَبِه، فأَرَوْني محمدًا ﷺ، فأتيته