مَنْ أخبرك بهذا؟ فأخبره أنَّ الرَّاهب أمره بذلك، فدعا الراهب، فقال (١): ماذا يقول ابني؟ قال: صدَقَ ابنُكَ، فقال: لولا أنَّ الدَّمَ فينا عظيمٌ لَقَتَلْتُك، ولكن اخرُجْ مِنْ أرضنا، فأجَّله أجَلًا، قال سَلْمان: فقُمْنا نَبْكي عليه، فقال: إِنْ كُنْتُما صادقين فأنا في بيعة في المَوْصِل مع سِتِّين رجُلًا، نعبد الله - تعالى - فيها، فَأْتُونا فيها.
فخرج الراهب، وبقي سَلْمانُ وابنُ المَلِك، فجعل سلمان يقول لابن الملك: انْطَلِقْ بنا، وابنُ المَلِك يقول: نعم، فجعل ابنُ المَلِك يبيع متاعه يريد الجهاز، فلما أبطأ على سَلْمَانَ خرج سَلْمانُ حتى أتاهم، فنزل على صاحبه - وهو رَبُّ البيعة -، وكان أهل تلك البيعة أفضل مرتبة من الرهبان.
فكان سلمان معه يجتهد في العبادة، ويُتعب نفسه، فقال له الشيخ: إنَّك غلام حدَثُ، تَكْلَفُ من العبادة ما لا تُطِيق، وأنا خائفٌ أَنْ تَفْتُرَ وتَعْجِزَ، فارفق بنفسك، وخَفِّف عنها، فقال له سلمان: أرأيتَ الذي تأمرني به أفضل أو الذي أصنع؟ قال: بل الذي تصنَعُ، قال: فخلِّ عنّي.
ثم إنَّ صاحب البيعة دَعاه، فقال: أَتَعْلَمُ أنَّ هذه البيعة لي، وأنا أحَقُّ النَّاس بها، ولو شِئْتُ أن أُخْرِجَ هؤلاء منها لفعَلْتُ، ولكني رجل أضعُفُ عن عبادة هؤلاء، وأنا أريد أن أتحوَّلَ من هذه البيعة إلى بيعة أخرى، هم أهون عبادةً من هؤلاء، فإن شئتَ أن تُقيم ها هنا فأَقِمْ، وإن شئت أن تنطلق معي فانطلق، فقال له سلمان: أيُّ البيعتين أفضل؟ قال: هذه، قال سلمان: فأنا أكون في هذه، فأقامَ سَلمان بها، وأوصى صاحب البيعة عالم البيعة بسلمان، فكان سلمان يتعبَّد معهم.
ثم إنَّ الشيخ العالم أراد أن يأتي بيت المقدس ودعا سلمان، وقال: إنّي أريد أن آتِيَ بيت المقدس، فإن شئتَ أن تنطَلِقَ معي فانطلق، وإِنْ شِئْتَ أن تُقِيمَ فَأَقِمْ، فقال سلمان: أيُّهما أفضلُ: أَنْطَلُق معك أو أُقيم؟ قال: بل تنطلق.