فخرجتُ، فانطلقت إليه، فأصابني قوم من الأعراب، فاستعبدوني، فباعوني (١)، فخرجت حتى وقعتُ بالمدينة، فسمِعْتُهم يذكرون النَّبِيَّ ﷺ، فسألت أهلي أن يَهَبُوا لي يومًا، ففعلوا، فخرجت فاحتطبْتُ، فَبِعْتُه بشيء يسير، ثم جئتُ بطعام اشتريته، فوضعته بين يدي رسول الله ﷺ، فقال:«ما هذا؟» فقلت: صدقةٌ، فأبى أن يأكُلَ منها، وأمر أصحابه فأكَلُوا، وكان العَيْشُ يومئذ عزيزًا، فقلت: هذه واحدة.
ثم أمكث ما شاء الله أن أَمْكُثَ، ثم قلتُ لأهلي: هَبوا لي يومًا، فوهَبوا لي يومًا، فخرجتُ فاحتطبْتُ، فَبِعْتُه بأفضل مما كنتُ بِعْتُ به - يعني الأَوَّلَ - فاشتريت به طعامًا، ثم جئتُ فوضعته بين يدي رسول الله ﷺ، فقال:«ما هذا؟ فقلتُ: هديَّةٌ، فقال: «كلوا، بسم الله» فوضع يده، فأكل هو وأكلوا، فقلتُ: هذه أخرى.
ثم قمتُ خلفه، فوضع رِداءَه، فرأيتُ عند غُضْروف (٢) كتفه خاتَمَ النُّبوَّة كأَنَّها بَيْضة حمامة، لونُها لونُ جِلْده، فقلتُ: أشهد أنَّك رسول الله، فقال:«ما هذا؟» قال: فحدَّثْتُه، فقلت: يا رسول الله، هذا الراهب أفي الجنة هو، وهو يزعم أنَّك نبي الله؟ فقال:«إنَّه لا يدخُل الجنَّةَ إِلا نَفْسٌ مسلمة»، فقلت: يا رسول الله، إنه أخبرني أنَّك نبي، فقال:«إنَّه لا يدخل الجنَّةَ إلا نفس مسلمة»(٣)
(١) ألحق ناسخ ش على الحاشية بعدها عبارة: (بشيء يسير)، وأراه وهمًا، فالعبارة المذكورة ستأتي قريبًا. (٢) ش: (غرضوف) والمعنى واحد كما تقدم. (٣) أسنده المصنف من طريق أحمد، وهو في «المسند» ٣٩ (٢٣٧١٢)، ومن طريق أبي نعيم، وهو في «المعرفة» ٣ (٣٣٤٤)، ومن طريق الطبراني، وهو في «الكبير» ٦ (٦١٥٥). قال الهيثمي: ٢٤١: «رجاله ثقات»، انتهى، وفيه (أبو قُرَّة) قال المصنف: «لا يسمى، ولا يعرف إلا في هذا الإسناد»، قلت: جاء عند ابن سعد في «الطبقات» ٦: ١٤٨: «كان قاضيًا بالكوفة، واسمه فلان بن سلمة، روى عن عمر بن الخطاب،