معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، فقال عيسى ﵇ مستكينا (١) إلى ربه: إلهي إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم [المائدة: ١١٨].
فلما أمسى المرتابون بها، أخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين، فلما كان في آخر الليلة مسخهم الله - تعالى - خنازير، وأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات، وأمسى سائر بني إسرائيل يطيفون بعيسى خوفا ورعبا مما لقي أصحابهم، فلما خرج عيسى أقبلت الخنازير تسعى إليه وتلوذ به، فلما اجتمعت إليه خرت له سجدا ودموعها تسيل، فجعل عيسى ﵇ يسمي رجالا منهم، يدعونهم بأسمائهم: يا فلان يا فلان، فيومئ كل واحد منهم برأسه، لا يستطيعون الكلام، فقال: قد كنت أحذركم عقاب الله - تعالى - وأنذركم عذابه، وكأني كنت أنظر إليكم ممسوخين مثلة من المثلات، فأخبر عنهم نبينا محمدًا ﷺ وأمته ذلك حين استعجل كفار قريش بالعذاب، وقال: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ [الرعد: ٦] وقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ الآية (٢).
فأقاموا بذلك ثلاثة أيام، وأهلوهم يكون حولهم، وقد رق لهم الناس، وخافوا ما نزل بهم، فلما رأى ذلك عيسى ﵇ دعا الله - تعالى - أن يميتهم، فأماتهم يوم الرابع، فلم تر لهم (٣) جيفة في الأرض، فالله ﷿ أعلم أين كانت جيفهم، غير أنها كانت عقوبة استأصلت أهلها، حتى لم يبق لهم أثر في الأرض (٤).
(١) ب (مشتكيا). (٢) تتمتها: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨]. (٣) (فلم تر لهم) تصحفت في ش ب (فلما تركهم). (٤) أسنده المصنف من طريق أبي بكر الشافعي، وهو في «الغيلانيات» ٢ (١١٣٥)، ومن طريق أبي الشيخ، وهو في «العظمة» ٥: ١٥٣٤ (٩٩٩).