للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

ينظرون، فاستغنى كلُّ فقير أكل منها، وبرَأَ كلُّ من أكل منها، فلم يزالوا أغنياء صحاحًا حتى خرجوا من الدُّنيا، ونَدِم الحواريون وأصحابه الذين أبوا أن يأكلوا منها نَدامةً شابَتْ منها أَشْفَارُهم، وبقِيَتْ حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات.

قال: فكانت المائدة إذا نزلَتْ بعد ذلك أقبلَتْ بنو إسرائيل إليها من كل مكان، يُزاحِمُ بعضُهم بعضًا، الأغنياء والفقراء والنِّساء والصغار والكبار، من الأصحاء والمرضى، يَرْكَبُ بعضُهم بعضًا، فلما رأى ذلك جعلها - يعني - نَوْبًا بينهم، وكانت تنزِلُ غِبًّا، تنزِلُ يومًا ولا تنزل يومًا، كناقة ثمود تَرِدُ ماءَهُم يومًا، وتغيب عنهم في رَعْيِها يومًا، فلَبِثُوا في ذلك أربعين يومًا تَنْزِل عليهم غِبًا عند ارتفاع الضُّحَى، فلا تزال موضوعةً يُؤكَلُ منها، حتى إذا قاموا ارتفعت عنهم بإذن الله - تعالى - إلى جَوِّ السَّماء، وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض، حتى توارى عنهم.

فأَوْحَى الله - تعالى - إلى نبيه أن اجعَلْ رِزْقي في المائدة لليتامى والمساكين والزَّمْنَى، دون الأغنياء من النَّاس، فلما فعل ذلك ارتاب بها الأغنياء، وغَمِصُوا (١) ذلك حتى شَكُوا فيها وشككوا فيها الناس، وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر، وأدرك الشَّيطان منهم حاجته، وقذف وساوسه في قلوب المرتابين، حتى قالوا لعيسى : أخبرنا عن المائدة ونزولها من السماء حق؛ فإنه قد ارتاب بها بشر منا كثير؟ قال عيسى: هلَكْتُم - وإله المسيح -، طَلَبْتُم المائدة إلى نبيكم أَنْ يَطْلُبَها لكم إلى ربكم ﷿، فلما أَنْ فعل كذَّبْتُم بها، وشككتُم فيها، فأبشروا بالعذاب، فإنه نازل بكم إلا أن يرحم (٢) الله ﷿.

فأوحى الله إلى عيسى (٣): إِنِّي آخِذُ المُكذِّبين بشرطي، فإني


(١) غَمِصَ الأمر: احتقره، وعابه، وتهاون بحقه، وغَمِص النعمة: لم يشكرها. «القاموس» (غ م ص)، وسيأتي قول المصنف: «والغمص: العيب».
(٢) ش: (ارحم).
(٣) ش: ١٤٧/ ب.

<<  <  ج: ص:  >  >>