كذا في رواية الطَّبَراني، وفي رواية غيره: كانت الحرب قد حصرتنا فلم نَأْمَنْ في أموالنا، يعني: فلما عُقِدَتْ الهُدْنةُ أَمِنَّا.
قال: فخرجت في نفرٍ من قريش آخذًا إلى الشَّام، وكان وجهَ مَتْجَرِنا، فقَدِمْتُها حين ظهرَ هِرَقْلُ على مَنْ كان عارضه من فارس، فأخرهم منها، وانتزَعَ له صَلِيبَه الأعظم، وقد كانوا سلبوه إيَّاه، فلما بلغه ذلك منهم (١)، وبلغه أنَّ صليبه قد استُنْقِذَ له، وكانت حِمْصُ منزِلَه، فخرج منها على قدميه متشكرًا لله ﷿ حين رَدَّ عليه ما رَدَّ لِيُصلِّيَ في بيت المقدس، يُبْسَط له الطريق بالبسط، ويُلْقَى عليها الرياحين، فلما انتهى إلى إيلياء وقضى فيها صلاته ومعه بطارِقتُه وأَساقِفُ الروم.
قال: وقَدِم عليه كتاب رسول الله ﷺ مع دِحْية بن خليفة الكلبي ﵁: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمَّد رسول الله، إلى هِرَقْلَ عظيم الرُّوم، السَّلام على من اتَّبَعَ الهُدَى، أما بعد، فأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ الله أجرك مرَّتين، وإِنْ تَتَوَلَّ فَإِنَّ [إِثْمَ](٢) الأَكَّارين عليك».
قال محمد بن إسحاق: قال ابن شهاب: أُسْقُف النَّصارى أدرَكْتُه في زمان عبد الملك بن مروان، زعم لي أنه أدرك ذلك من أمر رسول الله ﷺ، وأَمْرِ هِرَقْلَ وعقلِه، قال: لما قَدِم عليه كتاب رسول الله ﷺ مع دحية، أخذه فجعله بين فخذيه وخاصِرَتِه، قال: ثم كتب إلى رجُلٍ بِرُومِيَّةَ كان يقرأ من العبرانية ما يقرأ، يَذْكُر له أمره، ويصف له شأنه وبخبر ما جاء منه، قال: فكتب إليه صاحبُ رُومِيَّة أنَّه النَّبِيُّ الذي كُنَّا ننتظرُ لا شك فيه، فاتَّبِعْه وصَدِّقه.
فأمرَ هِرَقْلُ بِبَطارقة الرُّوم فجُمِعوا له في دَسْكرة مُلْكِه، وأَمر بها فأُشْرِجَتْ عليهم بأبوابها، ثم اطلع عليهم مِنْ عِلِّيَّةٍ وخافَهم على نفسه، وقال: يا معشر الرُّوم، إنِّي قد جمعتكم لخير، إنَّه قد أتاني كتاب هذا الرَّجُل، يدعوني إلى
(١) ش: ٢٠٣/ أ. (٢) في المخطوط (الإثم)، والتصويب من مصادر التخريج.