للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:
مسار الصفحة الحالية:

فجعل يغرف بالدلو ماءً كثيرًا، حتى كانتا أوَّلَ الرّعاء فراغًا، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما، وانصرف موسى فاستظل بشجرة، وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤].

فاستنكر أبوهما سُرْعَةَ صَدْرِهما بغنَمِهما حُفَلًا بطانًا، فقال: إنَّ لكما اليوم لشأنًا، فأخبرتاه بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوه له، فأتَتْ موسى فدعَتْه، فلما كلَّمه ﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان، ولسنا في مملكته، قال: فقالت إحداهما: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] (١) فاحتملته الغَيْرةُ على أن قال: وما يُدْرِيكِ ما قُوَّتُه؟ وما أمانته؟ قالت: أما قُوَّتُه: فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا، لم أرَ رجُلًا قط أقوى في ذلك السقي منه، وأما أمانته: فإنه نظر إليَّ حين أقبَلْتُ إليه وشخَصْتُ له، فلما عَلِم أنِّي امرأة صوب رأسه، فلم يرفعه ولم ينظر إليَّ حتى بلغته رسالتك، ثم قال لي: اِمْشِي خَلْفي وانعَتِي لي الطريق، فلم يفعل هذا إلا وهو أمين، فسُرِّي عن أبيها وصدقها، وظن به الذي قالت.

فقال له: هل لك إلى ﴿أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] وكانت على نبي الله موسى ثمان سنين واجبة، وكانت سنتان عِدَةً منه، فقضى الله - تعالى - عنه عدتَه، فأتمها عَشْرًا.

قال سعيد: فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم، فقال: هل تدري أي الأجلين قضى موسى - وأنا يومئذ لا أدري -؟ فَلَقِيتُ ابن عباس فذكرت ذلك له، فقال: أما علِمْتَ أنَّ ثمانية كانت على نبي الله واجبةً لم يكن نبي الله لينقص منها شيئًا، ويعلم أنَّ الله ﷿ كان قاضيًا عن موسى عِدَتَه التي وعد، فإنه قضى عشر سنين، فلقيت النصراني، فأخبرته بذلك، فقال: الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك؟ قلتُ: أَجَلْ وأَوْلى.


(١) ش: ٢٢٩/ أ.

<<  <  ج: ص:  >  >>