فلما سار موسى ﵇ بأهله، كان مِنْ أَمْرِ النَّار ما قص الله - تعالى - عليكَ في القرآن، وأَمْرِ العصا ويده، فشكا إلى ربه ﷿ و ما يَتَخوَّفُ مِنْ آل فرعون في القتيل، وعُقْدةَ لسانه، فإنه كان في لسانه عُقْدةٌ تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه ﷿ أن يُعينه بأخيه هارون يكون له رِدْءًا، يتكلم عنه بكثير مما لا يُفصح به لسانه، فآتاه الله ﷿ سُؤله، وحَلَّ عُقْدَةً مِنْ لسانه، فأوحى الله ﵎ إلى هارون ﵇، وأمره أن يلقاه، واندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون، فانطلقا جميعًا إلى فرعون، فأقاما على بابه حينًا لا يُؤذَن (١) لهما، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد.
فقالا: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾ [طه: ٤٩] فأخبراه بالذي قصَّ الله - تعالى - عليك في القرآن، فقال: ما تريدان؟ وذكَّرَه القتيل، واعتذر بما قد سمعت، وقال: أريد أن تؤمن بالله، وأن تُرْسِلَ معي بني إسرائيل، فأبى عليه ذلك، وقال: اِئتِ بآيةٍ إن كنتَ من الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي حيَّةٌ عظيمة فاغرة فاها، مُسْرِعةٌ إلى فرعون، فلما رآها فرعون قاصدةً إليه خافَها، فاقتحم عن سريره، واستغاث بموسى له أن يكفها عنه، ففعل، ثم أخرجَ [يدَه](٢) مِنْ جَيْبه، فرآها ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢] يعني: من غير برص، ثم ردَّها فعادت إلى لونها الأول، فاستشار الملأ حوله فيما رأى، فقالوا له: هذان ساحران يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى [طه: ٦٣] يعني: مُلْكَهم الذي هم فيه والعَيْشَ، فأبَوْا على موسى أن يُعطوه شيئًا مما طلب، وقالوا له: اِجمَعْ لهما السَّحَرةَ، فإنَّهم بأرضك كثير، حتى تَغْلِبَ بسحرهم سِحْرَهُما ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١١].
فحشر له كل ساحر متعالم، فلما أتوا على فرعون قالوا: بم يعمل هذا الساحر؟ قالوا: يعمل بالحيَّات، قالوا: فلا والله ما أحد في الأرض يعمل السِّحْرَ بالحيَّات والحبال والعصِيّ الذي نعمَلُ، فما أَجْرُنا إِنْ نحن غلَبْنا؟ قال:
(١) ش: ٢٢٩/ ب. (٢) ما بين المعقوفين سقط من المخطوط.