للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

رواه أهل السنن. قال أبو عمر ابن عبد البر النمري صاحب كتاب «التمهيد»: «هذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء والصالحين مساجد». أي: يحرم على المسلمين أن يبنوا على القبور، ويتخذوها مكانًا للصلاة، ففي «الصحيح» عن عائشة أن أم سلمة ذكرت الرسول الله كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» (١).

فما أبعد الناس اليوم عن تعاليم دينهم وسنة نبيهم، فقد اتخذوا عند قبور الصالحين، أو قبور لا يعرف أصحابها، مواسم وعبادات ما أنزل الله بها من سلطان، فوقعوا - والعياذ بالله - فيما حذر منه النبي ونهى عنه، وشدد في النهي بقوله فيما رواه إمام دار الهجرة مالك بن أنس: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) وقد استجاب الله دعاء نبيه كما قال الإمام ابن القيم :

فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران

حتى غدت أرجاؤه بدعائه في عزة وحماية وصيان

كان الشيخ الفاضل يدعو أيضًا إلى اتباع السنة وينفر من البدعة، وكثيرًا ما يذكر في دروسه الأثر المروي عن مالك في كتاب «الاعتصام» للشاطبي: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة؛ لأني قرأت قول الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ قال مالك: فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا». وكان رحمه الله تعالى يردد علينا ما كان يردده أيضًا الإمام مالك:

وخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع

هكذا كانت حياة شيخنا ومربينا، فلقد طاف بالبلاد - بلاد الله - من مشرقها إلى مغربها، داعيًا إلى الله صابرًا ومحتسبًا الأجر والثواب من الله ﷿. يقول عن نفسه في قصيدة رائعة:

وطفت بلاد الله شرقًا ومغربًا … على قدمي طورًا وطورًا على مهر

وأنضيت بعرانًا وحلقت في السما … على جائبات الجو كالنجم إذ يسري


(١) انظر تخريجها في (١/ ٣٩٥، ٤١٢، ٤٢٥)

<<  <  ج: ص:  >  >>