للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الباري ﷿، وكأنه بذلك أراد أن يربط حلقات العمر الطويل الأخيرة بحلقاته الأولى، التي كانت كلها جهادًا ودعوة إلى الله، وقبيل غروب الشمس بنصف ساعة تقريبًا شعر بارتياح لم يعهده خلال فترة عجزه عن القيام، فطلب من أحد الإخوان الحاضرين بجانبه - وهو من أقرباء زوجه - أن يتلو ما تيسر من القرآن، وهو الذي ما انفك منذ أن صار طريح الفراش يستمع إلى تلاوة الشيخ محمود خليل الحصري بالغدو والآصال، لا يتوقف عن سماع القرآن إلا إذا كان في وضوء أو صلاة أو زيارة الإخوان له، ويوم طلب من هذا الأخ الحاضر بجانبه أن يتلو عليه ما تيسر، تلا عليه، وهو يستمع وينصت، وسبابته اليمن إلى السماء، سورة ﴿يس (١)﴾ ثم طلب منه بعد أن أتمها أن يعيد قراءتها فأعادها عليه، وما أن وصل إلى قوله تعالى: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٨٣) حتى أسلم نفسه لله، ورجعت إلى ربها راضية مرضية.

هكذا كانت خاتمة هذا الشيخ الجليل؛ بل هكذا كانت خاتمة ووفاة والدي وشيخي الدكتور تقي الدين الهلالي، تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته.

ويصل الخبر في تلك الليلة إلى مدن المغرب وقراه، فيتوافد على منزله بالدار البيضاء من عرفه، وتتلمذ عليه وقرأ له وأحبه وقدره.

وبعيون دامعة، وقلوب خاشعة، وألسنة داعية بالرحمة والمغفرة، تقدم الجنازة صباح يوم الدفن جميع تلامذته ممن علمهم العقيدة الإسلامية الصحيحة.

وتعود الجموع الغفيرة المشيعة بعد الانتهاء من الدفن بقلوب حزينة، يعزى بعضهم بعضًا، فقد كان المصاب عظيمًا، وكان الرزء فادحًا، فإن الله وإنا إليه راجعون.

[عالم مجتهد ومحدث حافظ]

لقد كان هذا الشيخ الجليل، عالمًا مجتهدًا، عالمًا محدثًا محققًا حافظًا، وفقيهًا حكيمًا غير متعصب إلى مذهب من المذاهب الفقهية، بل يأخذ منها جميعها ما وافق السنة، فمذهبه هي السنة؛ سواء رواها أبو حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد بن حنبل، لا يلتفت إلى ما سواها من الآراء المخالفة لها، يدافع عنها بكل جهده، بلسانه وقلبه، وكان ناقدًا بصيرًا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يخاف في الله لومة لائم، وكان بحق إمامًا سلفيًّا جامعًا بين العلوم

<<  <  ج: ص:  >  >>