للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

«ما هي»؟ قال: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان، حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال النبي : «إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قلت: لا، قال: «ذاك شيطان» (١).

وهذه الآية مشتملة على جمل مستقلة:

فقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إخبار بأنه المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي: الحي في نفسه، الذي لا يموت أبدًا، القيم لغيره، وكان عمر يقرأ: القيام (٢)، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها، ولا قوام لها بدون أمره، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] وقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه خافية، ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم، فقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ﴾ أي: لا تغلبه سنة، وهي: الوسن، والنعاس، ولهذا قال: ﴿وَلَا نَوْمٌ﴾ لأنه أقوى من السنة» (٣).

قال القنوجي في «فتح البيان» ما نصه:

«﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ يقال: فلان وسع الشيء سعة، إذا احتمله وأمكنه القيام به، وأصل الكرسي في اللغة، مأخوذ من تركب الشيء بعضه على بعض، ومنه: الكراسة لتركيب (٤) بعض أوراقها على بعض، وفي العرف ما يُجلس عليه، والكرسي هنا الظاهر أنه الجسم الذي وردت الآثار بصفته كما سيأتي بيانات (٥) ذلك، وقد نفى وجوده جماعة من المعتزلة، وأخطؤوا في ذلك خطأ بينًا، وغلطوا غلطًا فاحشًا، وقال بعض السلف: إن الكرسي هنا عبارة عن العلم، قالوا: ومنه قيل للعلماء: كراسي، ومنه الكراسة التي يجمع فيها العلم، ورجح هذا القول ابن جرير الطبري.


(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق توثيق قراءته.
(٣) من «تفسير ابن كثير» (٢/ ٤٣٠ - ٤٣٩) بتصرف.
(٤) في مطبوع «فتح البيان»: «لتركب».
(٥) في مطبوع «فتح البيان»: «بيان».

<<  <  ج: ص:  >  >>