للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عند الصبح، ارتفع فجلس على كرسيه (١) رواه أبو عبد الله في «مسنده»، وروي عن سعيد مرسلًا وموصلًا، قال الشافعي رحمه الله تعالى: «مرسل سعيد عندنا حسن» (٢).


(١) أخرجه ابن منده في «الرد على الجهمية» (ص ٨٠).
(٢) انظر: «مختصر المزني» (ص ٧٨).
ومعنى قول الإمام الشافعي هذا هو أن مراسيل كبار التابعين - كسعيد بن المسيب - لها نظرة خاصة، وذلك لما لهم من منزلة في الدين ومكانة بين العلماء، حتى ظن البعض - وهو واهم بذلك - أن الإمام الشافعي يقبل مراسيل سعيد بن المسيب دون قيد أو شرط، والأمر ليس كذلك ومذهبه في هذا كمذهب غيره.
قال الخطيب البغدادي في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٥٤٦):
«ذكر بعض الفقهاء أن الشافعي جعل مرسل ابن المسيب حجة؛ لأن مراسيله كلها اعتبرت فوجدت متصلات من غير حديثه، وهذا القول ليس بشيء لأن في مراسيل سعيد ما لم يوجد متصلًا من وجه البتة، والذي يقتضي مذهب الشافعي أنه جعل لسعيد مزية في الترجيح بمراسيله خاصة؛ لأن أكثرها وجد متصلًا من غير حديثه لا أنه جعلها أصلًا يحتج به، والله أعلم».
قلت: وقد جلى هذه المسألة أعرف الناس بالشافعي ومذهبه وهو الإمام البيهقي، فقال كلامًا مختصرًا فيه تحقيق بليغ. وهذا نص كلامه في «مناقب الشافعي» (٢/ ٣٢):
«فالشافعي ، يقبل مراسيل كبار التابعين إذا انضم إليها ما يؤكدها، وقد ذكرنا في «كتاب المدخل» من أمثلتها بعضها، وإذا لم ينضم إليها ما يؤكدها لم يقبله سواء، كان مرسل ابن المسيب أو غيره».
قلت: وقد ذكر ذلك البيهقي أيضًا في «رسالته إلى الشيخ أبي محمد الجويني» فقرر أن الشافعي لم يخص مرسل ابن المسيب بالقبول، بل يقبل مرسله ومرسل غيره من كبار التابعين كالحسن وابن سيرين وعطاء إذا اقترن بها ما يؤكدها.
قال (ق/ أ): «وإنما ترك الشافعي مراسيل من بعد كبار التابعين، كالزهري ومكحول والنخعي ومن في طبقتهم، ورجح به قول بعض أصحاب النبي إذا اختلفوا، وترك مراسيل كبار التابعين، ما لم يقترن به ما يشده من الأسباب التي ذكرها في «الرسالة»، أو وجد من الحجج ما هو أقوى منها».
وقال (ق/ ب): «وعلى هذا فتخصيص مرسل ابن المسيب بالقبول دون من كان في مثل حاله من كبار التابعين على أصل الشافعي لا معنى له، والله أعلم».
الخلاصة: إن مرسل سعيد ما لم يوجد مسندًا بحال من وجه يصح، فإنه لا فرق بين مرسل سعيد وغيره من كبار التابعين عند الشافعي، وإنما رجح الشافعي وغيره بمرسل سعيد، وهو ليس بانفراده حجة عنده.
وانظر تفصيل هذه المسألة تعليقي على: «تعظيم الفتيا» لابن الجوزي (ص ٦١ - ٦٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>