إماما، ونشر له في الخافقين أعلاها، أعلاما، وأمره بالتبليغ، فقال: "أنا سيد ولد آدم (١) لا افتخارا بل تنبيها وإعلاما، صلّى الله عليه وعلى آله وبلّغه منا سلاما، أما بعد، فإن أولى ما صرف إليه وجه الاهتمام، وصرف في تقرير أمره وتحرير ذكره صريف الأقلام، أمر الإمامة في الصلوات، وإقامة الجمعة والجماعات، وكذلك الخطابة التي ما زال خطبها في الإسلام جليلا، والمترشح لها من الأنام قليلا، وهما رتبتان متناجيتان في الشرف، ومعتنقتان اعتناق اللام للألف، قد رفعا إلى ذروة من العلياء شامخة، ووضعا في محلّ لا ترقى إليه إلا قدم في الإقدام على المعالي راسخة، فإنّ أعواد المنابر فلك تتنزّل عن رتبته الأفلاك، وسماء يعرج فيها الملوك كما تعرج في السماء الأملاك، لأنّها المرمى البعيد، والمرام الصعب الشديد، والمقام الذي يجتمع له الناس بالذكرى من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وإنّ المحراب باب منه إلى الله الوصول، ومقام بين يدي الله يفوق هوله كل مهول، فلا يدخله إلا من رفع دونه الحجاب، ولا يثبت فيه إلا من استغفر به وخرّ راكعا وأناب، ولذلك شفع مقامها الفرد بمن أصبح في الآفاق فردا، وتعين بهذه الصفات في جامعها جامعها فكتب له بها عهدا، ورسم أن يفوّض إلى فلان لأنه الواحد من علماء الآفاق، وأئمة الأمصار، والحبر الذي علا كعبه على كل حبر، فاستحقّ أن يكون كعب الأحبار، ولأنه الذي تفرّد بجميع شروط الإمامة، فهو الكامل، والإمام الذي إذا تقدّم لم يكن ذلك تقديما
(١) حديث: " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ". رواه مسلم، وأبو داود عن أبي هريرة ﵁، وهو عند أحمد، والترمذي، وابن ماجه، عن أبي سعيد ﵁ في حديث بزيادة: " ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض، ولا فخر، وأنا أول شافع ومشفع ولا فخر "، وعند الترمذي عن أنس ﵁: " أنا أول من تنشق عنه الأرض، فأكسى حلة من حلل الجنة ثم أقوم عن يمين العرش، ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري "، انظر: كشف الخفاء للعجلوني - الحديث رقم ٦١٦.