للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقبل الذهاب إلى ألمانيا أقام مدة بالحجاز كان فيها واعظًا مرشدًا رسميًا، ثم بالعراق الذي كان فيه واعظًا ومدرسًا في كلية الملكة عالية، وقد جردته فرنسا من الجنسية المغربية - في زعمها - ولذلك لم يستطع الدخول إلى المغرب الذي كان تحت النفوذ الفرنسي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لإنقاذه من الحلفاء الذين حكموا عليه بالإعدام؛ هيأ له الوطني الغيور المرحوم الأستاذ عبد الخالق الطريس جواز سفر على أنه شمالي، وبه دخل إلى شمال المغرب عام ٤٦، وأصدر مجلة سماها «لسان الدين»، كانت حقيقة لسان الدين، وكان يكتب فيها جماعة من العلماء البارزين والوطنيين المخلصين، ومنهم العلامة الكبير شيخنا الأستاذ سيدي عبد الله كنون، ثم رجع إلى العراق وبقي مدرسًا به في كلية الملكة عالية إلى أن جاء الاستقلال، فدخل إلى المغرب المتحرر وتفرغ للتدريس والتأليف والكتابة ونشر الدعوة، ليتجرد إلى الدعوة والتبليغ والكتابة، إلى أن وافته المنية عن سن يناهز المائة، فلم تزلزله الزلازل، ولم تزعزعه الفتن؛ وإنما كان يثبت ثبوت الجبال الراسخات الشامخات.

وجملة القول: إن هذا الرجل الذي جعل من أيام حياته حبرًا، ومن أعماله قلمًا، ومن الأرض صحيفة يخط فيها تاريخ حياته ويترك بصماته كلما مر ببلدة من البلاد أو قطر من الأقطار أو قارة من القارات، لا يكفي لترجمته بعض الصفحات. ونكتفي بهذا القدر حتى يهيئ الله وقتًا لتحرير رسالة تصور حقيقة هذا الرجل الفذ الذي استحق بمواقفه وأعماله أن ينخرط في صف الخالدين، فسلام عليه في الأولين وسلام عليه في الآخرين وسلام عليه إلى يوم الدين، وغفر الله لنا وله ولجميع المسلمين.

• ورثاه جمع من تلاميذه، منهم شيخنا العلامة محمد بوخبزة، ومما جاء في مرثيته التي هي بعنوان «أنقذنا بفضل الله» - ومن خطه أنقل -:

هي الدنيا تسير إلى زوال … وبهجتها خيال في خيال

نعيش بها شُويعات نيامًا … فتوقظنا المنية بالنُبال

ألا يا ناعي العِرفان أبصر … أتدري من نعيت من الرجال؟

تقي الدين فخر بني هلال … تُوفّي فانتشي حزب الضلال

قضي شيخ الدعاة فكل حُرّ … بآلام الفجيعة ذو اعتلال

فقد أمضى يجاهد في دروب … بياض العُمْرِ ممتاز الخلال

<<  <  ج: ص:  >  >>