وجعل ينتقل من قبيلة إلى قبيلة في البوادي يعلم الصبيان كتاب الله. ولما أراد الله أن يفتح له أبواب العلم هيأ له أسبابه، فبينما هو يعلم الصبيان عند قبيلة من قبائل الحدود المغربية الجزائرية إذ مر بهم عالم شنقيطي ومعه تلاميذه، ففتح لهم درسًا في النحو، ولم يسبق للهلالي أن سمع بهذا العلم ولا حضر دروسًا من دروسه، ولما أتم الشيخ الدرس توجه إلى أحد التلاميذ واسمه محمد المختار ليسأله عن هذا الكلام الذي لم يعرفه فقال له: إن هذا شيء بعيد عنك، اذهب إلى صبيانك لتعلمهم، وضحك مستهزءًا به، فكان هذا التهكم والاستهزاء هو الزند الوري الذي أوقد في قلبه نار الغيرة والحماس والشجاعة والإقدام، وحرك كل ما كان كامنًا في نفسه من الصفات التي يرتقي بها العظماء إلى أعلى الدرجات. وهنا توجه إلى الشيخ محمد سيدي بن حبيب الله وسأله، فقال له: هذا العلم يسمى علم النحو، فقال: وهل يمكنني أن أقرأه، وأين؟ فأجاب الشيخ: نعم، وعندي فعاهده على أن لا يفارقه، وذهب معه إلى البلدة التي كان الشيخ مقيمًا بها وتسمى المشربة، قرية بالجزائر تبعد عن وجدة بنحوه ١٦٠ كلم، وما بقي معه إلا مدة قليلة حتى انفجر يَنَابع نبوغه وذكائه الوقاد، فبز أقرانه واستطاع بما أتاه الله من المواهب أن يغوص في بحور العلم من نحو وفقه ولغة وتفسير وأدب.
وفي يوم من الأيام فاجأ الناس بقصيدة رائعة مدح بها الشيخ سِكْرَج قاضي وجدة، فكشفت الغطاء عن شخصيته، وهنا قال الشيخ لأحد أصدقائه أن هذا الشاب سوف لا يكتفي بما عندي ولا بما في القرويين وسيشرق ويشتد خبره.
وتحققت فراسة الشيخ، ففي سنة ١٣١٢ هـ - ١٩٢٢ م أخذ الهلالي عصا التسيار، وعزم على التجول في الأقطار، فركب البحر متوجهًا إلى مصر، ثم منها إلى الهند وباكستان ثم العراق، ولما أراد الخروج من الهند بعد ما قرأ فيها الحديث على الشيخ أبي خليل محمد بن حسين بن محسن اليمني، وبعد ما فتح مدرسة كون فيها أساتذة وكتابًا وأدباء، أقول لما أراد الخروج وجاء إلى الحدود وخاطبه رجال الشرطة الذين هم إنكليز بلغتهم، ورأى أنه لم يستطع فهم كلامهم ولا الرد عليهم عدل عن الخروج ورجع عازمًا على ألا يخرج حتى يخاطبهم بلغتهم، فتتلمذ على أحد الرهبان المسيحيين فدرس اللغة الإنكليزية؛ اعتنى بحفظ مفرداتها ولم يبح لنفسه الخروج حتى ترجم كتاب «مدنية العرب في الأندلس» من الإنكليزية إلى العربية، وبهذه اللغة استعان على الدراسة في ألمانيا التي حصل فيها على الدكتوراه في الفلسفة والأدب.