تفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة مفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه، قال أبو عبيدة في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: «علا، قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى أي: استقر واحتج بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾. انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد»(١). قال ابن عبد البر: «الاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله تعالى في كتابه فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ وقال الشاعر:
فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة … وقد حلق النجم اليماني فاستوى (٢)
وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد:«استولى» لأن النجم لا يستولي، وقد ذكر النضر بن شميل - وكان ثقة مأمونًا جليلًا في علم الديانة واللغة - قال: حدثني الخليل - وحسبك بالخليل -، قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي - وكان من أعلم ما رأيت - فإذا هو على سطح، فسلمنا، فرد علينا السلام، وقال: استووا فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال، فقال لنا أعرابي إلى جانبه إنه أمركم أن ترتفعوا، فقال الخليل: هو من قول الله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ فصعدنا إليه قال: وأما من نازع منهم بحديث يرويه عبد الله بن داود (٣) الواسطي بسنده إلى ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: [استولى](٤) على جميع بريته فلا يخلو منه مكان»، فالجواب: أن هذا الحديث منكر، ونقلته مجهولون وضعفاء. فأما عبد الله بن داود الواسطي وعبد الوهاب بن مجاهد فضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يعرف، وهم لا يقبلون أخبار الأحاد العدول فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا الحديث لو عقلوا وأنصفوا؟! أما سمعوا الله سبحانه حيث يقول: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّه
(١) انظر: «مجاز القرآن» (١/ ٢٧٣) و (٢/ ١٥، ٥٧ - ٥٨، ٩٩). (٢) ذكره الفراهيدي في «العين» (٣/ ١٢٦ - صبح)، والأزهري في «التهذيب» (٤/ ٢٦٥ - صبح)، وابن المنظور في «لسان العرب» (٢/ ٥٠٥ - صبح)، والزبيدي في «تاج العروس» (٦/ ٥٢٥ - صبح)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١/ ٢٥٤) ولم يُعز لأحد. (٣) في مطبوع «التمهيد»: «واقد». (٤) غير موجود في مطبوع «التمهيد».