اسْتَوَى [طه: ٥] كيف استوى؟ قال مالك لقائله: استواؤه معقول، وكيفيته مجهولة، وسؤالك عن هذا بدعة، وأراك رجل سواء» (١).
قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] أي: علا. قال:«وتقول العرب: استويت فوق الدابة وفوق البيت»(٢).
وكل ما قدمت دليل واضح في إبطال قول من قال بالمجاز في الاستواء، وأن استوى بمعنى استولى؛ لأن الاستيلاء في اللغة المغالبة، وأنه لا يغالبه أحد، ومن حق الكلام أنه يحمل على حقيقته، حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا ﷾ إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله تعالى على الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع ذلك ما يوجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات، وجل الله تعالى أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتها، مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة، وهو: العلو والارتفاع والتمكن (٣).
ومن الحجة أيضًا في أن الله ﷾ على العرش فوق السموات السبع: إن الموجودين (٤) أجمعين إذا كربهم أمر رفعوا وجوههم إلى السماء، يستغيثون الله ربهم. وقوله ﷺ للأمة التي أراد مولاها أن يعتقها:«أين الله»؟ فأشارت إلى السماء، ثم قال لها:«من أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال:«اعتقها؛ فإنها مؤمنة»(٥). فاكتفى رسول الله ﷺ منها برفع رأسها إلى السماء، ودل (٦) على ما قدمناه أنه على العرش (٧)، والعرش فوق السموات السبع. ودليل قولنا أيضًا: قول أمية ابن أبي الصلت في وصف الملائكة ما نصه:
وساجدُهم لا يَرفعُ الدَّهرُ رأسَه … يَعْظُمُ ربًا فَوْقَه ويُمَجَّدُ
فسبحانَ مَنْ لا يَقْدرُ الخلق قدره … ومَنْ هو فوق العرش فرد موحد
(١) سبق تخريجه. (٢) انظر: «مجاز القرآن» (٢/ ١٥)، و «التمهيد» (٧/ ١٣١). (٣) بعدها في مطبوع «اجتماع الجيوش الإسلامية»: «في الشيء»، ومضى نحوه عن ابن عبد البر. (٤) في مطبوع «اجتماع الجيوش الإسلامية»: «الموحدين» والمثبت له وجه. (٥) سبق تخريجه. (٦) في مطبوع «اجتماع الجيوش الإسلامية»: «فدل». (٧) في مطبوع «اجتماع الجيوش الإسلامية»: «من أنه على العرش».