وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦]. فدل على أن موسى ﵊ كان يقول: إلهي في السماء، وفرعون يظنه كاذبًا، فإن احتج أحد علينا فيما قدمناه وقال: لو كان كذلك لأشبه المخلوقات، لأنه (٢) ما أحاطت به الأمكنة واحتوته فهو مخلوق؛ فشيء لا يلزم، ولا معنى له؛ لأنه تعالى ليس كمثله شيء من خلقه، ولا يُقاس بشيء من بريته، ولا يدرك بقياس، ولا يقاس بالناس، كان قبل الأمكنة، وكذلك يكون (٣) بعدها، لا إله إلا هو، خالق كل شيء لا شريك له.
وقد اتفق المسلمون وكل ذي لب أنه لا يعقل كائن إلا في مكان، وما ليس في مكان فهو عدم، وقد صح في العقول وثبت بالدلائل أنه كان في الأزل لا في مكان، وليس بعدم (٤)، فكيف يقاس على شيء من خلقه أو يجري بينهم وبينه (٥) تمثيل أو تشبيه؟! تعالى (٦) عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا (٧).
قول الإمام أبي عبد الله محمد بن أنيس المالكي المشهور بابن أبي زَمَنِين: قال في كتابه الذي صنفه في «أصول السنة»: (باب الإيمان بالعرش): ومن قول أهل السنة: «إن الله ﷿ خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خَلَق، ثم استوى عليه كيف شاء، كما أخبر عن نفسه في قوله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥](٨)، وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد: ٤]». وذكر حديث.
(١) سبق ذكرها، وتخريجها. (٢) في مطبوع «اجتماع الجيوش الإسلامية»: «لأن». (٣) في مطبوع «اجتماع الجيوش الإسلامية»: «ويكون». (٤) في مطبوع «اجتماع الجيوش الإسلامية»: «بمعدوم». (٥) في مطبوع «اجتماع الجيوش الإسلامية»: «بينه وبينهم». (٦) في مطبوع «اجتماع الجيوش الإسلامية»: «تعالى الله». (٧) انظر: «التمهيد» (٧/ ١٣٤ - ١٣٦). (٨) في مطبوع «أصول السنة»: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾.