للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَقَالَ أهل السنة: خلق الله تعالى السموات، وكان عرشه مخلوقًا قبل خلق السموات والأرض، ثم استوى على العرش بعد خلق السموات والأرض ما ورد به النص، وليس معناه: المماسة به، هو مستو على عرشه بلا كيف كما أخبر عن نفسه.

قال: «وزعم هؤلاء أنه لا يجوز الإشارة إلى الله سبحانه بالرؤوس والأصابع إلى فوق، فإن ذلك يوجب التحديد.

وقد أجمع المسلمون أن الله هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن، فزعم هؤلاء أن ذلك بمعنى علو الغلبة لا علو الذات، وعند المسلمين أن الله ﷿ علو الذات وعلو الصفات وعلو القهر والغلبة، وفي منعهم الإشارة إلى الله من جهة الفوق خلاف منهم لسائر الملل؛ لأن جماهير المسلمين وسائر الملل قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله من جهة الفوق في الدعاء والسؤال، واتفاقهم بأجمعهم على ذلك حجة، ولم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة الأسفل، ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق، وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوقِهِم﴾ [النحل: ٥٠] وقال تعالى: ﴿إِلَيهِ يَصعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال تعالى: ﴿تَعرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيهِ﴾ [المعارج: ٤] وأخبر تعالى عن فرعون أنه قال: ﴿يَاهَامَانُ ابنِ لِي صَرحًا لَعَلِّي أَبلُغُ الْأَسبَابَ (٣٦) أَسبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] فكان فرعون قد فهم من موسى أنه يثبت إلهًا فوق السماء، حتى رام بصرخه أن يطلع إليه، واتهم موسى بالكذب في ذلك. والجهمية لا تعلم أن الله فوقها بوجود ذاته فهم أعجز فهمًا من فرعون بل أضل، وقد صح عن النبي أنه سأل الجارية التي أراد مولاها عتقها: «أين الله»؟ قالت: في السماء، وأشارت برأسها إلى السماء، وقال: «من أنا»؟ فقالت: أنت رسول الله، فقال: «اعتقها فإنها مؤمنة» (١)، فحكم النبي بإيمانها حين قالت: إن الله في السماء، وحكم الجهمي بكفر من يقول ذلك (٢). هذا كله كلام أبي القاسم رحمه الله تعالى. اهـ.


(١) سبق تخريجه.
(٢) انظر: «الحجة في بيان المحجة» (٢/ ٨١ - ٨٣، ١٠٩ - ١١١، ١١٣ - ١١٥) بتصرف.

<<  <  ج: ص:  >  >>