للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

في كل شيء، كما كان حيث كانت الدنيا، قلنا: ففي مذهبكم إن ما كان من الله تعالى على العرش فهو على العرش، وما كان من الله تعالى في الجنة، فهو في الجنة وما كان من الله تعالى في النار فهو في النار، وما كان منه في الهواء، فهو في الهواء، فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله».

قال أحمد: «وقلنا للجهمية حين زعمتم أن الله تعالى في كل مكان، قلنا: أخبرونا عن قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] كان في الجبل بزعمكم؟ فلو كان فيه كما تزعمون لم يكن تجلى له، بل كان سبحانه على العرش، فتجلى لشيء لم يكن فيه، ورأى الجبل شيئًا لم يكن رآه قط قبل ذلك».

قال أحمد: «وقلنا للجهمية: الله نور، فقالوا: هو نور كله.

فقلنا لهم: قال الله ﷿: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩] فقد أخبر جل ثناؤه أن له نورًا، وقلنا لهم: أخبرونا حين زعمتم أن الله سبحانه في كل مكان وهو نور، فَلِمَ لَمْ يضيء البيت المظلم بلا سراج؟ وما بال السراج إذا دخل البيت المظلم يضيء؟! فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله تعالى».

قال الإمام أحمد: «كان جهم وشيعته كذلك دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث؛ فَضَلُّوا وأضلوا بكلامهم كثيرًا، وكان فيما بلغنا عن الجهم - عدو الله - أنه كان من أهل خراسان وكان صاحب خصومات وشر وكلام، وكان أكثر كلامه في الله تعالى، فلقي أناسًا من الكفار يقال لهم: السُّمَنِية فعرفوا الجهم فقالوا له: نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا، وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك، فكان مما كلَّموا به جهمًا قالوا: ألست تزعم أن لك إلهًا؟ قال الجهم: نعم، قالوا له: فهل رأت عينك إلهك؟ قال: لا، قالوا: فهل شممت له رائحة؟ قال: لا، قالوا: فهل وجدت له حسًا؟ قال: لا، قالوا: فهل وجدت له مجسًا؟ قال: لا، قالوا: فما يدريك أنه إله؟ قال: فتحير الجهم ولم يدر أربعين يومًا، ثم إنه استدرك حجة من جنس حجة زنادقة النصارى - لعنهم الله -.

وذلك أن زنادقة النصارى لعنهم الله تعالى زعموا أن الروح التي في عيسى ابن مريم روح الله من ذات الله، فإذا أراد أن يحدث أمرًا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسانه فيأمر بما يشاء وينهى عما يشاء، وهو روح غائب عن الأبصار، فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة، فقال للسُّمَني: تزعم أن فيك روحًا،

<<  <  ج: ص:  >  >>