علمه فيهم، ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] ففتح الخبر بعلمه وختمه بعلمه. قال الإمام أحمد: «وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله ﷾ حين زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان، فقل له: فحين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجًا عن نفسه، فإنه يصير إلى أحد ثلاثة أقاويل (١): إن زعم أن الله تعالى خلق الخلق في نفسه كفر، حين زعم أن الجن والإنس والشياطين وإبليس في نفسه، وإن قال: خلقهم خارجًا عن نفسه ثم دخل فيهم كفر أيضًا، حين زعم أنه دخل في كل مكان وَحُشُ وقذر (٢)، وإن قال: خلقهم خارجًا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم، رجع عن قوله كله أجمع وهو قول أهل السنة».
قال أحمد: بيان ما ذكر في القرآن ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] على وجوه، قوله تعالى لموسى وهارون ﵇: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] يقول: في الدفع عنكما، وقال: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]؛ يعني: في الدفع عنا، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٩]؛ يعني في النصرة لهم على عدوهم، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]؛ يعني في النصرة لكم على عدوكم، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]؛ يعني: يقول بعلمه فيهم، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] يقول: بالعَوْنِ على فرعون.
فلما ظهرت الحجة على الجهمي بما ادعى على الله سبحانه أنه مع خلقه قال: هو في كل شيء غير مماس لشيء ولا مباينًا له (٣)، فقلنا له: فإذا كان غير مباين للشيء أهو مماس له؟ قال: لا، قلنا: فكيف يكون في كل شيء غير مماس لشيء ولا مباينًا لشيء (٤)؟ فلم يُحسن الجواب، فقال: بلا كيف ليخدع الجهال بهذه الكلمة ويُمَوِّهَ عليهم، ثم قلنا لهم: إذا كان يوم القيامة أليس إنما تكون الجنة والنار والعرش والهواء؟ فقال: بلى، فقلنا: وأين يكون ربنا؟ قال: يكون
(١) بعدها في «الرد على الزنادقة والجهمية»: «لا بد له من واحد منها». (٢) في مطبوع «الرد على الزنادقة والجهمية»: «وحش قذر رديء». (٣) في مطبوع «الرد على الزنادقة والجهمية»: «مباين منه». (٤) في مطبوع «الرد على الزنادقة والجهمية»: «مباين».