للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بالعذاب هنا الحد (١)، وقال مقاتل: هذا التضعيف في العذاب إنما هو في الآخرة، كما أن إيتاء الأجر مرتين في الآخرة، وهذا حسن؛ لأن نساء النبي لم يأتين بفاحشة توجب حد، وقد قال ابن عباس: «ما بغت امرأة نبي قط؛ وإنما خانتا في الإيمان والطاعة» (٢)» (٣).

قال محمد تقي الدين: قول ابن عباس: «ما بغت امرأة نبي قط» أي ما زنت، وخيانة امرأة نوح وامرأة لوط المذكورتين في سورة التحريم ليس معناها الزني، وإنما هي عدم الإيمان وعدم طاعة زوجيهما نوح ولوط .

«﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي: تضعيف العذاب ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ هينًا لا يتعاظمه ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ﴾ والقنوت الطاعة؛ أي: يطع، ﴿مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ يعني أنه يكون لهن من الأجر على الطاعة مثلي ما يستحقه غيرهن من النساء إذا فعلن تلك الطاعة، وفي هذا دليل قوي على أن معنى ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾، أنه يكون العذاب مرتين لا ثلاثًا؛ لأن المراد إظهار شرفهن ومرتبتهن في الطاعة والمعصية، لكون حسنتهن كحسنتين وسيئتهن كسيئتين، ولو كانت كثلاث سيات لم يناسب ذلك كون حسنتهن (٤)، فإن الله أعدل من أن يضاعف العقوبة عليهن مضاعفة تزيد على مضاعفة أجرين. قيل: الحسنة بعشرين حسنة وتضعيف ثوابهن لرفع منزلتهن، وفيه إشارة إلى أنهن أشرف نساء العالمين.

﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قال الزجاج: «لم يقل: كواحدة من النساء؛ لأن (أحد) لفظ (٥) عام للمذكر والمؤنث والواحد والجماعة» (٦). وقد يقال على ما ليس بآدمي، كما يقال: ليس فيها أحد لا شاة ولا بعير، والمعنى: لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء في الفضل والشرف، قال ابن عباس: «يريد ليس قدر كن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم لدي» ثم قيد هذا الشرف العظيم بقيد فقال: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ الله.


(١) في مطبوع «فتح البيان»: «والعذاب بمعنى الحد».
(٢) أخرجه ابن جرير (١٢/ ٤٣٠ و ٢٣/ ١١٢)، وابن عساكر (٥٠/ ٣١٨) وما سبق من «فتح البيان» (٥/ ٣٥٩ - ٣٦٢) بتصرف.
(٣) انظر: «فتح البيان» (٥/ ٣٥٩ - ٣٦٢).
(٤) كذا في الأصل، ولعل بعدها «حسنتين».
(٥) في مطبوع «معاني القرآن وإعرابه»: «نفي»؛ وهو الصواب.
(٦) انظر: «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج (٤/ ٢٢٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>