فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه وقال: «هن حولي يسألنني (١) النفقة» فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصة كلاهما يقولان: تسألان رسول الله ﷺ ما ليس عنده؟! فنهاهما رسول الله ﷺ، فقلن نساؤه: والله لا نسأل رسول الله ﷺ بعد هذا المجلس ما ليس عنده (٢)، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه، قالت: فبدأ بي، فقال:«إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، فقال: «إن الله قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾» إلى تمام الآية. فقلت: أفي (٣) هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، وفعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت» (٤). ثم لما اختار نساء رسول الله ﷺ إياه، أنزل فيهن هذه الآيات تكرمة لهن وتعظيمًا لحقهن؛ فقال: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ﴾، (مِنْ) بيانية لأنهن كلهن محصنات ﴿بِفَاحِشَةٍ﴾ أي: معصية مُّبَيِّنَةٍ أي: ظاهرة القبح، واضحة الفحش، وقد عصمهن الله عن ذلك وبرأهنّ وطهرهنّ، فهو كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].
﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أي: يعذبهن الله مثلي عذاب غيرهن من النساء إذا أتين بمثل تلك الفاحشة، وذلك لشرفهن وعلو درجتهن وارتفاع منزلتهن، ولأن ما قبح من سائر النساء كان منهن أقبح، فزيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل، وليس لأحد من النساء مثل فضل نساء النبي ﷺ، ولذا كان الذم للعاصي العالم أشد من العاصي الجاهل؛ لأن المعصية منه أقبح، ولذا فضل حد الأحرار على العبيد، وقد ثبت في هذه الشريعة في غير موضع أن تضاعف الشرف وارتفاع الدرجات يوجب لصاحبه إذا عصى تضاعف العقوبات، والمراد
(١) في الأصل: «يسألني». (٢) أخرجه مسلم في كتاب الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حَرَّم امرأته ولم ينو الطلاق (١٤٧٨) من حديث جابر بن عبد الله. (٣) في مطبوع «فتح البيان»: «ففي أي». (٤) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا … .﴾ (٤٧٨٥)، وباب ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ … ﴾ (٤٧٨٦)، ومسلم في كتاب الطلاق، باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقًا إلا بنية برقم (١٤٧٥) من حديث عائشة ﵂.