صفية، فجاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله إنها زوجة أميرهم ولا تصلح إلا لك - ومقصوده: أن النبي ﷺ سيكرمها، وأن ذلك التاجر ربما باعها، فلا تزال تتنقل من يد إلى يد وفي ذلك إهانة لها، ونزول من أشرف المنازل إلى أخسها وأحقرها؛ وفي الخبر: ارحموا عزيز قوم ذل (١) - فقال لدحية:«دعها، وخذ غيرها»، فبعث إليها، بلالًا، فجاء بها ومعها ابنة عم لها، ومر بهما على قتلى يهود، فلطمت ابنة عمها وجهها وحثت التراب على رأسها ووجهها.
أما صفية، فكانت عاقلة رزينة، فلم تفعل شيئًا من ذلك، فوصلتا إلى النبي ﷺ وابنة عمها لا تزال تلطم وتصيح فقال لبلال:«ماذا صنعت أنزعت الرحمة من قلبك؟» وقال النبي ﷺ لمن عنده: «أبعدوا عني هذه الشيطانة»(٢)؛ يعني: ابنة عمها. كانت صفية رأت فيما يرى النائم أن القمر نزل من السماء فوقع في حجرها، فقصت الرؤيا على زوجها، فلطمها لطمة شديد ظهر أثرها في خدها، وفي عينها، وقال لها: أتتمنين مَلِكَ الحجاز - يعني: محمدًا ﷺ فلما راها النبي ﷺ سألها عن ذلك الأثر، فأخبرته ولم يخرج النبي ﷺ من خيبر حتى طهرت صفية، ولما أراد النبي ﷺ أن يركب راحلته وضع ركبته على الراحلة، وأمر صفية أن تطأ على فخذه لتركب خلفه، فلم تشأ أن تضع قدمها على فخذ النبي إجلالًا وتعظيمًا له، فوضعت ركبتها على فخذه وركبت، وقال بعض الصحابة لبعض: ما تظنون أن يفعل بها النبي ﷺ، أيتخذها سرية أم يتزوج بها؟ فتكون من أمهات المؤمنين، فقال بعضهم: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي سرية، فلما ركب النبي ﷺ وهي خلفه ألقى عليها ثوبه؛ فظهر أنها من أمهات المؤمنين (٣).
(١) أخرجه ابن حبان في «المجروحين» (٢/ ١١٨)، وقال العراقي في «تخريج أحاديث إحياء علوم الدين» (٥/ ٢٠٩٩/ ٣٣٠٩): «رواه ابن حبان في الضعفاء من رواية عيسى بن طهمان عن أنس. وعيسى ضعيف. ورواه فيه من حديث ابن عباس إلا أنه قال: «عالم يتلاعب به الصبيان، وفيه أبو البختري واسمه وهب بن وهب أحد الكذابين»، وانظر: «كنز العمال» (١٥/ رقم ٤٣٢٩٩)، و «كشف الخفاء» (١/ ١٢٤)، و «الفوائد المجموعة» (٢٧٨)، وأخرجه البيهقي في المدخل رقم (٦٩٩) من كلام الفضيل بن عياض، وهو أشبه. (٢) انظر: «البداية والنهاية» (٤/ ١٩٧، ط. مكتبة المعارف)، وتاريخ الطبري» (٢/ ٣٧، ط. دار الكتب العلمية). (٣) قصة زواج النبي ﷺ من صفية مطولة عند: مسلم في «صحيحه» كتاب النكاح، باب =