وفي عفّته: يقول الرُّهاوي أيضًا: «تعففه الذي لم نره لأحد من حُفَّاظ الحديث في زماننا»(١).
ثم بين حاله بقوله:«له شيء يسير يتربَّح به وينفق منه، ولا يقبل من أحد شيئًا، حتى إنه كان ببعض قرى أصبهان رجل من أهل العلم والدين، أراد أن يحُجَّ حَجَّ نافلة، فجاء جماعة إلى الحافظ أبي موسى فسألوه أن يشفع إليه في قعوده عن الحج؛ لما يرجون من الانتفاع بإقامته، فخرج معهم إلى القرية راكبًا على حمار، فأجابه إلى ذلك، فحملوا إلى أبي موسى شيئًا من الذهب، فلم يقبله، فقالوا: فَرِّقه في أصحابك، فقال: فرّقوه أنتم إن شئتم»(٢).
ومن الشواهد على ورع أبي موسى المديني: أنَّ رجلًا من أغنياء أصبهان أوصى إلى الشيخ أبي موسى بمال كثير يُفَرِّقُه في البر، فلم يقبل، وقال: بل أَوْصِ إلى غيري، وأنا أدلك إلى من تدفعه إليه، ففعل (٣).
وأما التواضع: فقد بلغ ﵀ فيه شأوًا بعيدًا، فكان يُلَبِّي طالبه وإن كان صغيرًا، ويقرئ كل من رغب ذلك، ويرشد المبتدئين، ويُحَفِّظُ القرآن في الألواح للصبية الصغار، وكان إذا مشى إلى موضع لا يرضى أن يتبعه أحد، وإذا فعل أحدٌ ذلك نهاه، فإن أبى أو كرر ذلك زجره (٤).
وأكد هذا الذهبي بقوله:«كان مع براعته في الحفظ والرجال صاحب ورع وعبادة وجلالة وتُقَى»(٥).
وقد صنف الأئمة في مناقبه تصانيف كثيرة (٦).
(١) «تاريخ الإسلام» ١٢: ٧٤٠، و «طبقات الشافعية الكبرى» ٦: ١٦٢، و «طبقات الشافعيين» لابن كثير ١: ٧٢٦. (٢) «التقييد» لابن نقطة ص ٨٧، و «تاريخ الإسلام» ١٢: ٧٤٠. (٣) «تاريخ الإسلام» ١٢: ٧٤١. (٤) انظر «السير» ٢١: ١٥٦. (٥) «العبر في خبر من غبر» ٣: ٨٤. (٦) «السير» ٢١: ١٥٩، و «طبقات الشافعية الكبرى» ٦: ١٦٣.