للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

وتدنست نفسه بالآثام والذنوب؛ يجد في صدره ضيقًا أيما ضيق، إذا طلب إليه التأمل فيما يدعى له من دلائل التوحيد، والنظر في الآفاق والأنفس، لما استحوذ على قلبه من باطل التقاليد، والاستكبار عن مخالفة ما ألفه وسار عليه الأكثر من الناس، وتضعف إرادته عن ترك ما هو عليه فتكون إجابته للداعي إلى دين الإسلام والتمسك به ثقيلة ويشعر بالعجز عن احتمالها، ويكون مثل من صعد في الطبقات العليا في جو السماء إذ يشعر بضيق شديد في النفس، وكلما صعد في الجو أكثر شعر بتخلخل (١) الهواء ولم يستطع البقاء، فإن هو قد بقي فيها مات.

وقيل: كأنه من ضيقه وشدته يصعد في السماء، أي يتكلف الصعود إلى السماء الذي لا حيلة فيه.

والخلاصة:

إن هذا مثل ضربه الله لقلب الكافر في شدة ضيقه عن وصول الإيمان إليه بقوله، فمثله في امتناعه من قبول الإيمان وضيقه عن وصوله إليه؛ مثل امتناعه عن الصعود إلى السماء وعجزه عنه؛ لأنه ليس في وسعه وطاقته الوصول إليه.

قال شيخ الإسلام: جعل الله القلوب ثلاثة أقسام: قاسية، وذات مرض، ومؤمنة (٢)، وذلك أنها إما أن تكون يابسة جامدة لا تلين للحق اعترافًا وإذعانًا، أو لا تكون يابسة جامدة؛ فالأول هو القاسي وهو الجامد اليابس بمنزلة الحجر لا ينطبع ولا يكتب فيه الإيمان ولا يرتسم فيه العلم؛ لأن ذلك يستدعي محلًا لينًا قابلًا، والثاني لا يخلو إما أن يكون ثابتًا فيه لا يتزلزل (٣) عنه لقوته مع لينه، أو يكون لينه مع ضعف وانحلال، فالثاني هو الذي فيه المرض والأول هو القوي اللين.

والعلم يدخل قلب كل موفق … من غير بواب ولا استئذان

ويرده المحروم من خذلانه … لا تشقنا اللهم بالخذلان (٤) (٥)


(١) في مطبوع «الكواشف الجلية»: «يتخلخل» بالياء والصحيح المثبت.
(٢) في مطبوع «الكواشف الجلية»: «مؤمنة مخبتة».
(٣) في مطبوع «الكواشف الجلية»: «لا يزول عنه».
(٤) انظر: «القصيدة النونية» لابن القيم (ص ٢٠٢).
(٥) انظر: «الكواشف الجلية عن معاني الواسطية» (٥٩ - ٦٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>