قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ فالغفور من أبنية المبالغة، أي كثير المغفرة، وأصل الغفر: الستر، ومنه المغفر، فهو ﷾ يغفر لمن تاب إليه؛ أي يستر ذنوبه ويتجاوز عن خطاياه.
قال ابن رجب:«المغفرة: محو الذنب، وإزالة أثره، ووقاية شره، ومنه: المغفر؛ لما يقي الرأس من الأذى، لا كما ظنه بعضهم الستر، فالعمامة لا تسمى مغفرًا مع سترها، فلا بد في لفظ المغفر من الوقاية»(١). اهـ.
وقوله: ﴿الْوَدُودُ﴾ من الود، وهو خالص الحب وألطفه وأرقه وهو من الحب بمنزلة الرأفة والرحمة، قال الجوهري:«وَدِدْتُ الرجل أوَدُّه ودًا إذا أحببته، والود المودة والودود المحب»(٢)، والودود من صفاته (٣) تعالى، أصله من المودة واختلف فيه على قولين؛ فقيل: هو ودود بمعنى واد؛ كضروب بمعنى ضارب، وقتول بمعنى قاتل، ونؤوم بمعنى نائم، ويشهد لهذا القول أن فعولًا في صفات الله فاعل كغفور بمعنى غافر، وشكور بمعنى شاكر، وصبور بمعنى صابر، وقيل: بل هو بمعنى مودود، وهو الحبيب، وبذلك فسره (غ) في «صحيحه»، فقال:«الودود: الحبيب»(٤)، والأول أظهر لاقترانه بالغفور في قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤]، وبالرحيم في قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠]، وفيه (٥) سر لطيف، وهو أنه يحب عبده بعد المغفرة فيغفر له ويحبه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ فالتائب حبيب الله فالود أصفى الحب وألطفه. اهـ. من كلام ابن القيم (٦).
(١) اختيار الملأ الأعلى (ص ٤٨) وعنه في «تفسير ابن رجب» (٢/ ٢٠٦). (٢) انظر: «الصحاح» للجوهري (٢/ ٥٤٩) مادة (ودد). (٣) في مطبوع «الكواشف الجلية»: «صفات أصله» والصحيح المثبت. (٤) «صحيح البخاري» كتاب التفسير، باب تفسير سورة البروج، باب رقم (٤٢٤). (٥) في مطبوع «الكواشف الجلية»: «وفي». (٦) في كتابه «روضة المحبين ونزهة المشتاقين» (ص ٥٥، ط. ابن رجب).