وترحم عليه: دعا له بالرحمة، واسترحمه: سأله الرحمة، ورجل مرحوم ومُرَحْمٌ شُدِّدَ للمبالغة، والتوكيد فلأنه أخبر عن العرض بما يخبر به عن الجوهر، وهذا تغال بالعرض، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]، معناه يختص بنبوته من يشاء ممن أخبر ﷿ على أنه مصطفى مختار) (١).
والله الرحمن الرحيم: بنيت الصفة الأولى على فعلان لأن معناه الكثرة، وذلك لأن رحمته وسعت كل شيء وهو أرحم الراحمين، فأما الرحيم فإنما ذكر بعد الرحمن؛ لأن الرحمن مقصور على الله ﷿ والرحيم قد يكون لغيره.
قال الفارسي: إنما قيل: بسم الله الرحمن الرحيم، فجيء بالرحيم، بعد استغراق الرحمن معنى الرحمة لتخصيص المؤمنين به في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، كما قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، ثم قال: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] فخص بعد أن عم (٢). اهـ.
قال القاسمي في «تفسيره» عند هذه الآية: «وقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء﴾ [الأعراف: ١٥٦]، تطلق الرحمة على التعطف والمغفرة والإحسان والجنة، كما قال تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى: ٨]، ولعلها هي المراد هنا، بدليل مقابلتها بـ «العذاب»(٣) قيل: كما قابل الآية التي ذكرها بقوله: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] والله أعلم. ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ أي: هذه الرحمة ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي: الكفر والشرك والفواحش: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: يعطون زكاة أموالهم: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي: بكتابنا ورسولنا يصدقون» (٤). اهـ.
وقال القاسمي أيضًا في «تفسيره» عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ الآية [البقرة: ٢١٨]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بحرمة الشهر في نفسه وجواز قتال المخرجين أهل المسجد الحرام منه، ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ تركوا مكة وعشائرها (٥) إذ خرجوا من المسجد الحرام ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولو في الشهر الحرام للدفع
(١) ما بين الهلالين سقط من مطبوع «لسان العرب». (٢) انتهى النقل من «لسان العرب» (١٢/ ٢٣٠ - ٢٣١) بتصرف. (٣) في مطبوع «تفسير القاسمي»: «قبل». (٤) انظر: «تفسير القاسمي» (٧/ ٢٦٣ - ٢٦٤). (٥) في مطبوع «تفسير القاسمي»: «وعشائرهم».